RSS

Tag Archives: Evolution

التطور في ميزان العقل والدين (3/3)


وصلت إلى بعض الردود على المقال السابق تتعلق بنقطتي التحور الجيني والسجلات الحفرية وهي تقترح أن المعلومات التي ذكرتها بهذا الصدد قديمة بعض الشيء ولا يمكن الاعتماد عليها لتكوين رأي سليم. طبعا لا أحد معصوم من الخطأ، وقد وضحت في المقال الأول أني لست عالما في الطب أو الأحياء، وما هذه إلا خواطر تردني نتيجة القراءة والاطلاع. فلا مشكلة عندي أن يصححني أحد وأن أراجع نفسي فيما ذكرت. لكن أذكركم أيضا بما أشرت إليه في المقال الأول. فمشكلتي ليست مع النظرية في حد ذاتها، وأنا مستعد لقبول النظرية إذا توفرت لدي أدلة كافية على صحتها، ولكن مشكلتي مع الادعاء أن النظرية تنفي الحاجة إلى وجود خالق، وهو ما سنتحدث عنه اليوم بإذن الله.

دعونا الآن نترك النظرية ونذهب إلى من يحاولون استخدام النظرية لإيجاد بديل عن الخلق. يعتقد هؤلاء أن التطور هو عملية عشوائية بدون أي تدخل من قوى عاقلة (خالق) ولا تدفعها إلا الرغبة في التكيف مع الظروف المحيطة. وهؤلاء تواجههم مشكلة كبيرة. فالنظرية تتحدث على أن أصل جميع الكائنات الحية هي خلية واحدة وجدت على الأرض منذ ما يقارب 4 بليون سنة، ولكنها لم تفسر كيف تكونت هذه الخلية! لكن هؤلاء يعتقدون أن هذه الخلية تكونت بصورة طبيعية في ضوء قوانين الطبيعة، ورغم أن داروين لم يتعرض لنشأة الخلية الأم صراحة في كتابه، لكن المفهوم السائد في ذلك الحين كان هو مفهوم التولد اللحظي Spontaneous Generation.

نظرية التولد اللحظي هي نظرية ظهرت منذ أيام الفلاسفة الإغريق واستمرت حتى القرن التاسع عشر. تقول هذه النظرية أن الكائنات الحية تتولد بشكل مستمر من أشياء غير حية، وكانت مبنية على مشاهدات وخرافات منتشرة في هذه العصور، مثل أن الديدان تتولد من اللحم المتعفن، وأن الحشرات والفئران تتولد من بقايا الطعام … إلخ. ولكن تطور العلم وظهور الميكروسكوب نفى كل هذا الهراء، فالديدان مثلا لا تتولد من اللحم المتعفن، لكن بيض الديدان الذي لا يرى بالعين المجردة تحمله الحشرات وهي تطير وتنقله إلى هذه الأماكن. وكانت نهاية هذه النظرية حين أعلن العالم الكبير لويس باستير عام 1864 عن نتائج تجاربه التي أثبتت أن هذه الكائنات الدقيقة لا تنشأ من الجمادات بل تنتقل إليها من الخارج. وبهذا كانت نهاية نظرية التولد اللحظي.

النتائج التي وصل إليها باستير أسست لمفهوم جديد في العلم يسمى Biogenesis أو التخلق الحيوي، وهو يعني أن الحياة لا تنشأ إلا من الحياة، فالخلية الحية تنقسم لتنشأ منها خلايا حية أخرى، والكائنات الحية تلد أو تبيض لتنشأ منها أجيال أخرى وهكذا. التخلق الحيوي يفسر كيف تنشأ الحياة من حياة موجودة بالفعل ولكنه لم يفسر كيف نشأت الحياة في بداية الأمر، ولذلك فقد نشأ مع ذلك المفهوم مفهوم آخر هو مفهوم Abiogenesis أو التخلق اللا حيوي، وهو يقول أن الحياة نشأت في بداية الأمر من الجماد وأن هذه عملية طبيعية لا تحتاج إلى تدخل من خالق أو غيره.

ستون عاما مرت على نشأة المفهومين دون أن يكون هناك دليل واضح على إمكانية حدوث التخلق اللا حيوي أو تفسير لعدم استمرار حدوثه في وقتنا هذا. ثم جاء العالم السوفيتي أوبارين Alexander Oparin عام 1924 ليقول أن التخلق اللا حيوي قد حدث بالفعل مرة في الماضي وتسبب في نشأة الخلية الأصلية ولكنه لم يعد ممكن الحدوث لأن الظروف الطبيعية الآن مختلفة عما كانت عليه عند نشأة الأرض. وعليه فإن الخلية الحية يمكن تكوينها في المعمل إذا استطعنا محاكاة الظروف الطبيعية التي كانت موجودة عند بداية الحياة. ثم جاءت تجربة ميلر-يوري Miller-Urey الشهيرة عام 1952 حيث قاما بتسخين خليط من الماء وغاز الميثان والأمونيا والهيدروجين وتعريضهم إلى صواعق كهربية في محاولة لمحاكاة الظروف التي تحدثنا عنها، وكانت النتيجة هي تكون العديد من الأحماض الأمينية التي هي حجر الأساس لجزيء البروتين، المكون الأساسي للخلية الحية.

لا داعي لأن نذكر أن المؤمنين بالنظرية اعتبروا هذا الاكتشاف انتصارا عظيما لها وضربة ساحقة للمؤمنين بالخلق، ولكن دعونا نفكر في الأمر قليلا. أولا: هذه الأحماض الأمينية لم تنشأ من العدم، فهذه الأحماض تتكون في الأساس من الهيدروجين والكربون والأكسجين والنيتروجين، وكلها غازات موجودة في الغلاف الجوي، فالتجربة استطاعت أن توحد هذه الغازات المنفصلة في صورة أحماض أمينية. الأمر الثاني: هناك فرق شاسع بين الأحماض الأمينية والخلية الحية. وللتوضيح دعونا نفكر في المثال الآتي:

تخيل مثلا لو أنك جئت بالمواد الخام التي تستخدم في صناعة محرك السيارة فستجد أن ثمنها لا يتعدي 500 دولار على أقصى تقدير، لكن محرك السيارة قد يصل ثمنه إلى 50 ألف دولار. سبب هذا الفرق الشاسع (100 ضعف) هو العلم والخبرة والمعرفة العملية The Know-how التي استخدمت في تحويل المواد الخام الجامدة التي لا فائدة منها إلى جهاز يقوم بحرق الوقود في وجود الأكسجين وتيار كهربي من أجل توليد حركة دائرية ذات سرعة وعزم وقدرة معينين. فالأحماض الأمينية هي مجرد مواد كيميائية يمكن تحضيرها في المعمل، وهي في حد ذاتها غير قادرة على صنع أي شيء، أما الخلية فهي أمر شديد التعقيد، لديها القدرة على الانقسام وتحمل بداخلها الصفات الوراثية للكائن الحي الذي تنتمي إليه، والحمض النووي DNA الموجود بها يحتوي على معلومات تكفي لكتابة دائرة معارف من 450,000 صفحة! المشكلة لا تكمن في الوصول إلى المواد الكيميائية التي تكون الخلية، بل المشكلة في الوصول إلى سر الحياة التي يجعل هذه المواد شيئا حيا يستطيع أداء الوظيفة المنوطة به. من الجدير بالذكر أن العلماء اكتشفوا لاحقا أن الغازات المستخدمة في التجربة غير واقعية ولا تحاكي بدقة جو الأرض البدائي الذي بدأت فيه الحياة.

وفي ختام هذه النقطة، يجب أن نذكر بعض الأرقام المهمة. جزيء البروتين يحتوي في المعتاد على 300 حمض أميني. ومع ذلك فإذا افترضنا إمكانية وجود جزيء بروتين يحتوي على عدد أقل بكثير من الأحماض الأمينية ويكون قادرا على أداء وظيفته فاحتمال تكون هذا الجزيء صدفة يساوي1E-43. يعني بعبارة أخرى: ” 0.00000000000000000000000000000000000000001 %” . بعض العلماء قال إن الرقم ده مش منطقي وإن الرقم الأكثر منطقية هو 1E-195، يعني هتزود عدد الأصفار اللي فوق دي أكثر من 4 أضعاف! طب تخيل بقى الجزيء العادي اللي بيحتوي على 300 حمض أميني، احتمال تكونه صدفة هو 1E-390 يعني 9 أضعاف عدد الأصفار دي. أي احتمال أقل من 1E-50 هو مستحيل عمليا. وده معناه إن الاحتمال ده هو المستحيل لما تضربه في نفسه 7.8 مرة!!! كل هذا من أجل إنتاج جزيء بروتين واحد! خذ في اعتبارك أن الخلية البشرية الواحدة تحتوي حوالي 10 بليون جزيء بروتين من أكثر من 10,000 نوع. كل ده ولسه ما اتكلمناش عن سر الحياة!

حقيقة أخرى هي أن الحمض النووي لا يمكنه نسخ نفسه عند انقسام الخلية إلا بمساعدة بروتينات خاصة تسمى بالإنزيمات. ولكن هذه الإنزيمات لا يمكن تحضيرها بشكل سليم إلا من خلال المعلومات المشفرة الموجودة في الحمض النووي! هذا يعني أن كلا منهما يعتمد في وجوده على الآخر وكلا منهما يجب أن يكون موجودا في نفس الوقت (بالمصادفة البحتة) حتى يحدث الانقسام!! إذن فمن المستحيل نظريا وعمليا ورياضيا وفيزيائيا وكيميائيا أن تتكون الخلية الأصلية بالصدفة أو بطرق طبيعية وكيميائية.

كل هذه الأسباب تدفعني إلى أن أتعامل مع نظرية التطور كما هي، باعتبارها نظرية قد تحتمل الصواب أو الخطأ. صحيح أن التشابه بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية أمر لا جدال فيه، لكن هذا لا يجزم بأن الكائنات الحية نشأت بالطريقة التي تقترحها النظرية، وهي التحورات في الخلية الأصلية التي أدت إلى نشأة أنواع جديدة ثم التحورات في هذه الأنواع التي أدت إلى ظهور أنواع أخرى. على الجانب الآخر، فهذه الأسباب أيضا تدفعني إلى أن أرفض التعامل مع النظرية باعتبارها تعارض الدين، لأن النظرية لا تقدم بديلا عن الخلق، بل هي في رأيي المتواضع تقف في صفه.

 

أحمد سعد

5 أغسطس 2015

المراجع:

Charles Darwin – On the Origin of Species by means of Natural Selection (1859)

Harwn Yahya – The Signs Leading to Faith (2004)

Brian L. Silver – The Ascent of Science (2000)

Nash Popovic – The Synthesis (2008)

Evolution FAQ – The Probability of Life

National Institute of General Medical Sciences – Inside the Cell

Wikipedia: Natural SelectionAbiogenesisBiogenesisSpontaneous GenerationMiller-Urey ExperimentModern Evolutionary Synthesis

 
 

الأوسمة: , , , , , , , ,

نظرية التطور في ميزان العقل والدين (1/3)


ترددت كثيرا في نشر هذه السلسلة القصيرة من المقالات، رغم إنتهائي من إعدادها منذ أكثر من عامين، حيث أن انشغال الجو العام بالأوضاع السياسية جعلني أشعر أن الوقت غير مناسب لنشرها وأن الناس ليست على استعداد لتناول موضوعات تمس الفكر في الفترة الحالية. ولكنني اكتشفت أني كلما انتظرت يزداد الوضع سوءا وتطرأ على الساحة أحداث جديدة، فقررت أن أتوكل على الله وأبدأ بنشرها ونسأل الله عز وجل أن يفتح لها صدور الناس وأن ينفع كاتبها وقراءها بما فيها. وطبعا لا يفوتني في مثل هذه المناسبات أن أؤكد على حقيقة أنني لست عالما في علم الأحياء أو الجينات، ولست كذلك فقيها في الدين. وكل ما أكتبه هنا هو مجرد خواطر تأتيني بناء على قراءاتي المحدودة وخبرتي الضئيلة في الحياة. وأرجو ممن يقرأ كلامي ألا يأخذه كحقيقة مسلّم بها وأن يبحث ورائه ما استطاع، وممن يكتشف خطأ قمت به أن يبادر بتصحيحي. وكل المراجع المستخدمة في هذه السلسلة سأذكرها بإذن الله إما في حينها أو في المقال الأخير منها. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل.

أتحداك إن مشيت في الشارع وسألت الناس “من هو داروين؟” فإن الذين سيستطيعون الأجابة (وهم قليلون) ستكون إجابة أغلبهم “مش ده اللي قال إن الإنسان أصله قرد؟!”. يعلم من قرأ واطلع جيدا أن داروين لم يقل هذا أصلا لكن السطحية و”ثقافة الكلمات المتقاطعة” على حد تعبير د. أحمد خالد توفيق هي أمراض متأصلة عندنا. نظرية التطور هي أقوى النظريات التي تحاول تفسير نشأة الحياة وكيف وصلت الكائنات الحية إلى صورها الحالية، وقد ساهم فيها عشرات العلماء على مدار السنين، وهي من أكثر النظريات التي أحيطت بضجة إعلامية منذ بداية ظهورها وحتى الآن بعد مرور قرن ونصف قرن من الزمان. يتعامل معها أكثر المؤيدين لها على أنها حقيقة مسلّم بها وليست مجرد نظرية، وعلى الجانب الآخر فإن أغلب الرافضين لها يرفضونها لأنها في رأيهم تعارض الدين فحسب وليس لأي سبب علمي. فدعونا نخلع عنا كل هذه الآراء والتحيزات المسبقة ونرى ما تقوله النظرية ذاتها.

في عام 1859 نشر عالم التاريخ الطبيعي الإنجليزي تشارلز داروين Charles Darwin كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي On The Origin Of Species By Means Of Natural Selection” والذي أعلن فيه عن نظريته التي تقول أن جميع الكائنات الحية لها أصل مشترك، وأن هذا الأصل المشترك / الخلية الأصلية / الخلية الأم مر بالعديد من التطورات والتغيرات التدريجية عبر بلايين السنين حتى وصلنا في النهاية إلى الكائنات الحية في صورها الحالية. تكون الكائنات المتطورة أكثر تعقيدا وأفضل موائمة للظروف عن سابقتها ويتم ذلك عن طريق ما يسمى بالانتخاب الطبيعي. مصطلح التطور في حد ذاته يعني التغير في الصفات الموروثة للكائنات الحية عبر الأجيال.

قبل أن نستكمل حديثنا، دعونا نفرق بين ثلاثة أمور يؤدي الخلط بينها إلى مشاكل عديدة، وهذه الأمور هي المبدأ الذي بنيت عليه نظرية التطور، ونظرية التطور نفسها، ومحاولة استخدام النظرية كبديل عن الخلق.
أولا: المبدأ أو المقدمة التي بنيت عليها النظرية وهي أن الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بينها تشابهات رئيسية. هذا المبدأ هو حقيقة علمية لا شك فيها وهناك أدلة كثيرة على صحته وهو “يرجح” أن كل هذه الكائنات لها أصل واحد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام أو أي دين سماوي آخر في شيء لأن الإسلام يؤمن بأن وحدة الخلق تدل على وحدة الخالق.
ثانيا: النظرية في حد ذاتها – كما شرحناها في الفقرة السابقة – لا تعارض الدين في شيء، فنحن نؤمن بأن الله – عز وجل – خلق كل شيء، وسواء أكان هذا خلقا مباشرا لكل كائن بشكل منفصل أم خلق الخلية الأم وجعلها تتطور لتنتج منها الكائنات التي نعرفها اليوم فهو خلق في كل الأحوال.
ثالثا: الادعاء أن النظرية تقدم بديلا عن الخلق وتنفي الحاجة لوجود الخالق، وأن التطور عملية عشوائية لا تدخل للإله فيها، وهذا هو ما يتعارض مع الدين.

أخيرا، نظرية التطور هي مجرد نظرية قد تكون صحيحة وقد تكون خطأ. صحيح أنها مبنية على مقدمات سليمة، لكن النتائج المستنتجة من هذه المقدمات لا يشترط أن تكون صحيحة. وهذا ما سنحاول استكشافه في بقية هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

 

أحمد سعد

22 يوليو 2015

 
 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: