RSS

Tag Archives: 25 يناير

لماذا قامت الثورة؟!


لماذا قامت الثورة؟! سؤال لا بد أن يسأله كل منا لنفسه بعد مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على قيام الثورة، لأن إجابتنا على هذه السؤال ستمكننا من إعادة تقييم الأحداث الجارية بصورة أفضل، وتحديد ما إذا كانت أفعالنا ومواقفنا الحالية تتفق مع المبادئ التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير أم لا وتصب في كفة إنجاحها أم إفشالها، وستساعدنا على التخلص من الكثير من الخرافات التي نرددها دون أن نعي معناها. فدعونا نتذكر سويا، بدل ما حد يتحجج إنه كان نايم واللا في الحمام ساعتها!

لماذا قامت الثورة؟! أو بعبارة أخرى، ما هي الأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها؟! الإجابة تتلخص في العبارة التي كانت شعارا للثورة منذ قيامها، وهي “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”. أن تتحقق للإنسان المصري مقومات الحياة الكريمة من طعام وملبس ومسكن وغيره، ليس تفضلا ولا تكرما من أحد عليه، وليس حلما يجاهد طيلة حياته من أجل تحقيقه بل هو حق أساسي من حقوقه. أن يعود للإنسان المصري حقه في أن يضع من يشاء في موضع المسئولية، وأن يكون له القول في ما يخص مصيره ومستقبله. أن تحفظ للإنسان المصري كرامته، وألا تمتهن من أي طرف سواء كان هذا الطرف داخليا أم خارجيا. أن تتحقق عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص وأن تكون الكفائة وحدها هي أساس الاختيار. من أجل كل ذلك قامت الثورة، ولا أعتقد أن أحدا، حتى من عارضوا الثورة، يختلف حول هذه المطالب وكونها مشروعة.

وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني، وهو يختلف تماما عن السؤال السابق: لماذا قامت الثورة؟!! بمعنى أن الثورة حالة استثنائية تتضمن تعطيل أحوال البلد ومصالحه لفترة لا يعلم مداها إلا الله، ومخاطرة الناس بحياتهم في مواجهة قوة النظام الغاشمة، فلماذا الثورة دون غيرها من وسائل التغيير؟! طبعا إجابة هذا السؤال تتلخص في المثل الشعبي القائل: “قال إيه اللي رماك على المُر، قال اللي أمرّ منه!”. فالسنوات الطوال التي جثم فيها النظام القمعي المستبد على نفوس الشعب دون أن يتغير فيه سوى الوجوه كل بضعة أعوام، أقنعت الإصلاحيين بأنه لن يتم إصلاح إلا بتغيير النظام السياسي، وأن الانشغال بالعمل العام والاقتناع بفكرة أن الإصلاح يكون من الأسفل (فقط) هي دروشة لا تصب إلا في مصلحة النظام المستبد! حاول هؤلاء الانخراط في العمل السياسي، لكن النظام المستبد لا يرغب في أن يغادر مكانه، ولن يقبل أبدا بعد أن ذاق طعم السلطة والقوة أن يتخلى عنها بسهولة. لذلك كانت الانتخابات إما صورية أو مزورة، مع وضع العراقيل في طريق إنشاء أي أحزاب معارِضة حقيقية غير ورقية، صاحب ذلك مشروع التوريث وتعديلات الدستور المفصلة على مقاس شخص بعينه، بالإضافة إلى استخدام القمع والملاحقة الأمنية للمعارضين وكل من يُشك في أنه سيكون مصدر “قلق” للسلطة، وكان مسك الختام هو انتخابات برلمان 2010 التي قضت على أي أمل في انتقال طبيعي للسلطة.

كانت البدائل المتبقية بخلاف الثورة هي انقلاب عسكري صريح، تدخل خارجي أو حرب أهلية، والثلاثة أسوأ من بعضهم البعض! لذلك، لجأ الناس إلى الثورة بعد فشل كل وسائل الانتقال السلمي الأخرى للسلطة. فتلخيصا لما سبق، قامت الثورة لتحقيق مطالبها وهي “عيش، حرية، كرامة إنسانية”، عن طريق توفير وسيلة انتقال سلمية للسلطة، وهي إجراء انتخابات حرة نزيهة، ويتحقق ذلك بإزالة العوائق التي تقف في سبيل هذا، وأهمها النظام الديكتاتوري المستبد، وتوفير الضمانات اللازمة لنزاهة العمليات الانتخابية المستقبلية.

تعالوا بنا إذا نستخدم هذا الفهم لتحليل ما حدث في الثلاثين من يونيو. بدأ الأمر في شهر أبريل بإعلان انطلاق حملة تمرد، والتي كانت تهدف إلى جمع التوقيعات لسحب الثقة من الرئيس مرسي. تقول الحملة في استمارتها:

منذ وصل محمد مرسي العياط الي السلطه .. يشعر المواطن البسيط بانه لم يتحقق اي هدف من اهداف الثوره ، التي كانت العيش والحريه والعداله الاجتماعيه والاستقلال الوطني ، وفشل مرسي في تحقيقها جميعا ، فلم يحقق لا الامن ، ولا العداله الاجتماعيه واثبت انه فاشل بمعني الكلمه ، ولا يصلح لادارة بلد بحجم مصر.

هذا ما تقوله الاستمارة ثم تدعو لسحب الثقة من مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ثم تبع ذلك إعلان الحركة أنها جمعت 22 مليون توقيع، ودعت، هي وقوى سياسية وثورية أخرى، المواطنين إلى النزول يوم 30/6 في مظاهرات حاشدة للمطالبة برحيل مرسي. كان من مطالب هذه المظاهرات أيضا تغيير الحكومة وتعديل الدستور وغيرها.

لست هنا بصدد الدفاع عن مرسي ولا عن أداءه هو أو حكومته، لكني بصدد تحليل ما حدث يوم 30/6 وكونه استكمالا للثورة حقا أم لا. نحن ذكرنا منذ قليل أن الثورة حالة استثنائية، لجأنا إليها حينما كان النظام الحاكم رافضا لكل أشكال الانتقال السلمي للسلطة، واضعا كل العوائق والعراقيل في طريقها، فهل هذا ينطبق في حالة مرسي؟ هل كان مرسي أو حزبه أو جماعته يعارضون أو يماطلون في عملية تسليم السلطة واكتمال مؤسسات الدولة بالشكل الديمقراطي؟! لقد كان من المفترض طبقا للدستور أن يكون لدينا مجلس نواب منذ شهر فبراير الماضي، يقوم بدوره في التشريع، ويقوم بعملية تعديل المواد المختلف عليها في الدستور، ويقوم باختيار الحكومة. باختصار، كان سيقوم بكل مطالب القوى المشاركة في 30/6 عدا رحيل مرسي، وكان رئيس الحكومة الجديد سيسحب من مرسي كثيرا من صلاحياته وسيشاركه البعض الآخر، فلم يكن يتبقى للرئيس صلاحية ينفرد بها سوى تمثيل الدولة في العلاقات الخارجية وإصدار العفو الرئاسي! يعني رئيس شرفي من الآخر! كان من المفترض أن يحدث هذا منذ 7 أشهر، لولا المداولات بين مجلس الشورى والمحكمة الدستورية في قانون الانتخابات التي لم تنتهي حتى يومنا هذا! بما فيها اختراع وإبداع المحكمة الدستورية في أحقية رجال الشرطة والجيش في المشاركة في الحياة السياسية!!

كان هذا هو المسار الطبيعي المفترض الذي ارتضاه الشعب لنفسه عبر انتخابات واستفتاءات عديدة. العقل والمنطق يقول أنه إذا كان هناك عدة طرق تؤدي إلى نفس المكان في النهاية، فتركك للطريق المستقيم السهل واتخاذك للطريق الأكثر صعوبة ووعورة هو حماقة! باللغة الإنجليزية يصفون هذا بقولهم (So much pain for so little gain). وكنت أرى، وأستغرب لماذا لا يرى غيري هذا، أن المظاهرات ينبغي أن يكون هدفها الضغط على المحكمة الدستورية لسرعة إنهاء إجراءاتها فيما يتعلق بالقانون. كنت أسمع في ذلك الحين كلاما يردده الكثيرون عن رفض أي انتخابات تجرى تحت حكومة قنديل خوفا من تزوير الانتخابات لصالح الإخوان!! والحقيقة أن هذا كلام خايب وتافه وترديده دون تفكير يدل على سطحية شديدة! فلو أن أي انتخابات ستتم تحت حكومة ما سوف تزور لصالح الحزب الذي تنتمي إليه هذه الحكومة فلماذا قمنا بالثورة؟!! لأن من نتائج الثورة توفير الضمانات اللازمة لنزاهة العملية الانتخابية من إشراف قضائي ومشاركة لمنظمات المجتمع المدني ووجود ممثلين لجميع المرشحين في كافة اللجان كي يحضروا عملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، تماما كما فعل ممثلوا الإخوان في انتخابات الرئاسة حين قاموا بإعلان النتيجة قبل إعلان النتيجة الرسمية بأيام موثقة بصور محاضر حميع اللجان على مستوى الجمهورية. وإلا سنبتدع أنه قبل أي انتخابات في أي حتة في البلد تستقيل الحكومة أو تفوض حكومة تسيير أعمال بإدارة شئون البلاد لحين انتهاء الانتخابات ثم يعودوا مرة أخرى!!! وهذا تفكير عقيم!

لهذا فأنا لم أجد سببا مقنعا يدعو الناس إلى التخلي عن المسار الديمقراطي واللجوء إلى ذلك المسار الآخر الذي أدخلنا في دوامة لا يعلم سوى الله كيف ستنتهي! هل هو خوف من الانتخابات؟! لا أجد هذا مقنعا في ضوء الأعداد التي تدعي تمرد أنها جمعتها وكذلك في ضوء الأعداد التي شاركت في مظاهرات الثلاثين من يونيو. لكن ما أراه هو أن الناس ليست مقتنعة بهذه الحركات المعارضة التي لم تقدم أي بديل طيلة عام من حكم مرسي، واقتصد دورها على أن تكون “الشريك المخالف” وخلاص! بمعنى أن السبب الوحيد لوقوف الناس في صف هذه القوى المعارضة هو كراهيتهم لمرسي والإخوان دون أن يكون لهم شعبية حقيقية في الشارع المصري. أرى كذلك أن أية انتخابات قريبة (لو لم يحدث ما حدث!) كان سيكتسحها الإخوان والفلول، مع العلم أن مادة العزل السياسي في الدستور الذي تم تعطيله كانت تقف عائقا أمام الفلول.

أخلص من هذا كله إلى رفضي لما حدث في يوم الثلاثين من يونيو. أنا لست أتكلم عن ما إذا كان انقلابا أم استجابة لثورة. أنا أتكلم عن هذا اليوم من حيث المبدأ وليس النتائج. أنا أتكلم عن اقتناعي بيوم 30/6 وكونه تصحيحا لمسار الثورة من الأساس. وذلك لأن الثورة ليست هدفا ولا غاية، ولكنها وسيلة. ومادام المسار الديمقراطي الطبيعي مفتوحا ومتاحا أمام الناس فلم يكن هناك داع على الإطلاق للجوء إلى هذا المسار البديل. ساعة يقفها المواطن المصري في طابور الانتخابات كانت، في رأيي، أفضل بكثير من ساعة وقفها يوم 30/6 للمطالبة برحيل مرسي. والله وحده يعلم كيف سنخرج من هذا المأزق بسلام وبأقل الخسائر.

 

أحمد سعد

9 سبتمبر 2013

Advertisements
 
 

الأوسمة: , , , , , , ,

ألزهايمر (2)


ذكرنا في المقال السابق بعض المفاهيم المغلوطة التي تملأ أحاديث عامة الناس ولقاءات “المحللين السياسيين” على شاشات الفضائيات، وحاولنا تصحيحها. ولأننا ندعي الموضوعية وعدم التحيز، فإن علينا أن نعدد أيضا بعض المفاهيم المغلوطة المنتشرة بين الشباب وبخاصة الثوار، ونحاول أيضا تصحيحها.

– ثورة 25 يناير هي ثورة الشباب

كلا! بل إن ثورة 25 يناير هي ثورة الشعب المصري بأكمله. صحيح أن الشباب هم من بدأ الثورة وأشعل شرارتها الأولى، ولكن سبب نجاحها الرئيسي، بعد الله سبحانه وتعالى، هو اقتناع قطاع عريض من الشعب المصري بها وإيمانه بمطالبها. فكانت الميادين تمتلىء بالمصريين على مختلف أعمارهم وثقافاتهم ومستوياتهم المادية والاجتماعية. ولولا ذلك لكانت 25 يناير مجرد مظاهرة أخرى، يخرج فيها بضع مئات أو آلاف، يحاصرهم جيوش الأمن المركزي، ويظلون حيث هم بضع ساعات حتى يملوا أو تفرقهم قوات الأمن. لقد كان فكر النظام السابق أن يشغل الناس بالبحث عن حقوقهم الأساسية كالطعام والكساء والمأوى والسعي وراءها، حتى ينشغلوا عن حقوقهم الأخرى كالحرية والديمقراطية وغيرها. ولذلك لم تنجح الحركات المعارضة المثقفة التي سبقت ثورة 25 يناير، لأن فكرهم كان منفصلا عن احتياجات الشعب الحقيقية. لكن الثورة نجحت في أن تربط في أذهان الناس بين الحياة الكريمة، وبين الحرية والديمقراطية، فكان لها صدى في نفوس عامة الناس. لذلك فأنا أستبعد أن تنجح ثورة كهذه في دول الخليج مثلا أو دولة مثل ماليزيا. لأن الناس تحيا حياة كريمة في غياب الحرية والديمقراطية. إن الله عز وجل قد أرسل أحد أعظم الأنبياء، موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، كي يحرر بني إسرائيل من ظلم فرعون ويعيد إليهم حريتهم وكرامتهم، كما جعل سيدنا يوسف عليه السلام سببا في إنقاذ الناس من المجاعة. وهذا يدل على أن الحرية والكرامة لا تقل أهمية عن الطعام والسكن. ولكن الأمر يحتاج إلى ثقافة ووعي شعبي عاليين، ودرجة كبيرة من التحضر ما زلنا نحلم – كشعوب عربية – بالوصول إليها.

– لازم نجيب حق الشهداء

منذ عام تقريبا، وأنا أسمع هذه الجملة عند الدعوة إلى التظاهر والاعتصام. وحتى لا يتحول الأمر إلى متاجرة بدماء الشهداء يجب أن نسأل أنفسنا سؤالا واضحا، ونجيب عليه بكل صراحة؛ لماذا ضحى الشهداء بأرواحهم؟! هل ضحوا بها كي يصرف لأهلهم تعويضات أو توضع أسماؤهم على الشوارع والميادين أو ينزل الناس إلى مظاهرات للمطالبة بالقصاص لهم؟! كلا، بل إنهم ضحوا بها من أجل أن تتحرر مصر من قيود الظلم والقهر، ويعود للإنسان المصري كرامته وحريته. لذلك، فأعظم وفاء لهم ولدمائهم، أن نستكمل مسيرتهم، في إكمال التحول الديمقراطي والوصول بمصر إلى بر الأمان. الأمر الآخر، هو ان الإنسان يجب ألا يدفعه الكبر أن يتعامى عن أخطائه، أو يتهرب من الاعتراف بها، فإن الإنسان إن لم يكن صريحا مع نفسه فلا رجاء منه. كون أننا نتبع نفس الطريقة منذ عام كامل دون نتيجة تذكر، اللهم إلا المزيد من الشهداء والمصابين لا بد أن يكون مؤشرا لعدم جدوى هذه الطريقة. هل أظهرت التحقيقات التي بدأت منذ عام من هو المسئول عن أحداث كنيسة القديسين مرورا بموقعة الجمل وفتنة امبابة وأحداث ماسبيرو ومسرح البالون ومحمد محمود وانتهاء بمجلس الوزراء؟! كلا! ولا يتصور عاقل أن ينحقق العدل طالما أن الخصم هو الحكم! فلا أمل في استعادة حق الشهداء قبل أن يكتمل التحول الديمقراطي بانتخاب رئيس للجمهورية، وفي رأيي، أن الخروج للتظاهر للمطالبة بحق الشهداء إضاعة للوقت والجهد.

– الشرعية في الميدان

كنت مستعدا للموافقة على الجملة السابقة حتى 45 يوما مضت. أما الآن فإني أعترف أن السلطة الشرعية الوحيدة في مصر هي مجلس الشعب المنتخب وأن ميدان التحرير، أو العباسية أو أي ميدان من ميادين مصر الأخرى لم يعد يمثل مصر تمثيلا حقيقيا، حيث بلغ عدد المشاركين في الانتخابات ما يزيد عن 23 مليون مواطن من أصل 43 مليون مواطن يحق لهم الانتخاب وهو أكبر من عدد المشاركين في أي مظاهرة منذ بدء الثورة. وبما أننا ندعى أننا نسعى للوصول إلى الديمقراطية، وقد اعترفنا، على الرغم من كل التجاوزات التي شهدتها الانتخابات البرلمانية، بخلوها من التزوير، فإن علينا جميعا أن نتقبل نتائجها أيا كانت. كان أكبر خطأ ارتكبه شباب الثورة، أنهم لم يسارعوا بانشاء أحزاب تمثلهم، فلقد كانت لهم شعبية كبيرة عقب الثورة مباشرة، ولكنهم أهملوا هذا الجانب تماما، وأهملوا أيضا وسائل الإعلام[1]، واقتصروا على مواقع التواصل الاجتماعي التي لا يدخل عليها عامة الشعب وهم الكتلة المؤثرة في الانتخابات فسمحوا بذلك للادعاءات بأنهم يريدون تعطيل الأعمال وتأخير الاستقرار وأن هؤلاء ليسوا هم الثوار وأنهم بطلجية يريدون تخريب الوطن، سمحوا لهذه الادعاءات أن نتنشر وللوقيعة بين الشعب والثوار أن تحدث وأصبح عامة الشعب ضدهم وصاروا هم الأقلية. وعليهم أن يتحملوا نتيجة هذا الخطأ. لذلك فلا يصح أبدا للأقلية أن تستبد برأيها وتفرضه على أغلبية الشعب. وبما أن أغلبية هذا الشعب قد ارتضى أن يمثله النواب المنتخبون في مجلس الشعب، فعلى الشعب جميعا أن يقف وراء هؤلاء النواب، ويدعمهم بكل قوته. كما يجب على هؤلاء النواب أن يعلموا أن من أوصلهم إلى هذه المناصب إنما هو الشعب وليست الأحزاب التي ينتمون إليها، فعليهم أن يضعوا مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

سأتعمد ألا أنهي هذا المقال وأن أترك المجال مفتوحا لأية مفاهيم جديدة تطفح على السطح. وأرجو من الله عز وجل أن يفتح عقولنا وأذهاننا لكل محاولات تزوير التاريخ وتزييف الحقائق.

 

أحمد سعد

10 يناير 2012


[1] أتكلم عن الثوار الحقيقيين بالطبع!

 
أضف تعليق

Posted by في 10 يناير 2012 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , ,

ألزهايمر (1)


أحيانا أشعر أن عاصفة من مرض ألزهايمر قد اجتاحت المجتمع المصري عقب الثورة، حتى لم يبق أحد غيري محتفظا بذاكرته ويقدر على تذكر الأمر بتفاصيله أو يحاول استخدام عقله، وذلك حين أستمع إلى الجدال الدائر بين عامة الناس وعلى شاشات الفضائيات، فرغم أنه لم يكد يمر عام على أحداث الثورة، إلا أني أجد الكلام مليئا بكم هائل من المغالطات التاريخية والتحليلات السياسية غير المنطقية، ده طبعا غير إننا شعب يموت في الفتاوي، ونؤمن أن الهدف الأصلي من النقاش هو سحق الطرف الآخر لا توصيل وجهة نظرنا وفهم وجهة نظره. لذلك قررت أن أكتب هذا المقال، وأجمع وأصحح فيه ما يفتح الله به علي من مفاهيم مغلوطة متعلقة بثورتنا الحبيبة التي نسأل الله عز وجل أن يعيننا على إتمامها والوصول بمصر إلى بر الأمان. وحتى نبدأ، فأنا أدعوكم جميعا أن تركزوا أذهانكم وتنشطوا ذاكرتكم، فإن استعصى هذا عليكم فإن تناول بعض السمك قد يكون مفيدا!

– الجيش حمى الثورة

أول المفاهيم المغلوطة هو ذلك المفهوم أن الجيش حمى الثورة. ولكي نتعرف على الحقيقة دعونا نسترجع الأحداث. ما حدث أن الجيش قد اقتصر طوال الثورة على المشاهدة فحسب؛ كانت موقعة الجمل وغيرها من مواقع هجوم البلطجية على الثوار تحدث أمام عينيه دون رد فعل يذكر منه، بل إنه قد قام في بعض الأحيان بمحاولة إثناء الثوار عن استكمال ثورتهم، وهذا مسجل بالصوت والصورة. وكيف نزعم أن الجيش حمى الثورة وفد سمعنا جميعا تصريحات القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو يعلن أنه لم تصلهم أوامر بضرب أو قتل المتظاهرين؟ فإذا كان الجيش لم يحم الثورة، فما الذي فعله إذن؟! الجيش حمى الدولة؛ حمى المنشآت العامة والحيوية، وعوض غياب وزارة الداخلية ورجالها، وقام بمساعدة اللجان الشعبية في القبض على المجرمين، وكل ذلك طبقا لأوامر الرئيس المخلوع، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك. فإذا كان ما سبق حماية للثورة، فقد صدق فريد الديب في قوله بأن مبارك هو أول من أيد ثورة الشباب! ولكن الحقيقة هي أن الله عز وجل هو من حمى ثورتنا. لو تذكرون في مقال سابق، تحدثنا عن كيف أن الثورة كان مخططا لها أن تموت بعد أسبوع من قيامها، بعد خطاب الرئيس الثاني الذي لعب على مشاعر الجماهير، فأكثر الإحصائيات تفاؤلا قالت أن عدد من بقي في الميدان لم يتجاوز العشرة آلاف. ولكن الله عز وجل كما رزق الرئيس المخلوع بالعبقري الذي كتب له الخطاب، قد ابتلاه بعبقري آخر خطط لموقعة الجمل، التي كانت آخر مسمار في نعش نظام الرئيس المخلوع. ولو كان لديه بقية من فهم، لانتظر قليلا حتى يهدأ الأمر، وقام ببعض الإصلاحات الصورية حتى يتفاعل معه شعبنا “العاطفي” ثم تنزل المظاهرات المؤيدة له في كل مكان في مصر، حينها كان يستطيع أن يفعل ما يشاء بالثوار دون أن يكترث بهم أحد.

– تقديم انتخابات الرئاسة تزوير لإرادة الشعب

كلما صارحت أحدا بوجهة نظري في أن البلد لن تحتمل البقاء في هذا الوضع كثيرا، وأن الحل لمن ينشدون الاستقرار، حقا وليس مجرد كلام، هو التعجيل بانتخابات الرئاسة، أجد من يرد على ويزعم أن هذا التفاف على إرادة الشعب وتزوير لها، وأن الشعب قد اتفق على أن يتم وضع الدستور قبل انتخاب رئيس جديد، ومن أعطاكم الحق في النحدث باسم الشعب ….. إلخ. دفعني هذا الأمر إلى البحث، بجد، عن إرادة الشعب فلم أجدها قد تكلمت بصورة حقيقية منذ تولي المجلس العسكري شئون البلاد إلا مرتين؛ مرة في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وهي ليست موضوعنا الآن، ومرة في التعديلات الدستورية. نظرت فيها فوجدت أن المادة التي تتحدث عن هذا الأمر هي المادة رقم 189 مكررا وهي تقول “يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشوري تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء علي تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، …” فلا يوجد بها ما يلزم الشعب بوضع الدستور قبل انتخاب الرئيس. حتى المادة الموازية لها في الإعلان الدستوري وهي المادة رقم 60 فسنجدها تقول نفس الكلام مع أضافة بسيطة هي “بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة”. وهي تلزم بأن تكون دعوة المجلسين لانتخاب اللجنة التأسيسية من المجلس العسكري ولا تلزم الانتهاء من وضع الدستور والاستفتاء عليه في وجود المجلس. ورغم أن إضافة هذه الفقرة التي لم تكن موجودة في التعديلات تم دون استفتاء للشعب عليها، وفي هذا التفاف وتزوير لإرادة الشعب!! ولكن بما أن نزول الناس إلى صلاة الجمعة وذهابهم إلى السوق ومتابعتهم للدوري المصري، في وجهة نظر المجلس العسكري، هو تأكيد واعتراف منهم بشرعية هذا المجلس إذن فهذا الإعلان يعبر عن إرادة الشعب!!

– إجراء انتخابات الرئاسة قبل وضع الدستور يهدد بخلق فرعون جديد

وهذا هو الادعاء الآخر لمن يعارضون تقديم انتخابات الرئاسة، فيتساءلون، كيف ننتخب رئيسا للبلاد دون أن يكون هناك دستور يحدد صلاحيات هذا الرئيس؟! ألا يهدد هذا بخلق فرعون جديد؟! وهناك من يقول أيضا، أن هذا سيتيح للرئيس الجديد أن (يعمل الدستور على مزاجه!). هذا الكلام يبدو منظقيا للوهلة الأولى، والرد علىه يتكون من نقطتين. أولا، من سيشكل الدستور؟! أليس اللجنة التأسيسية التي سينتخبها مجلسي الشعب والشورى الذان ينتخبهما الشعب؟! ليس الرئيس الجديد إذن! النقطة الثانية، هي أننا الآن نعيش تحت حكم العسكر، وليس الملائكة! فكل ما ينطبق على الرئيس الجديد ينطبق على المجلس العسكري والعكس، مع الفارق طبعا أن رئيس الجمهورية “المنتخب” يعبر “حقا” عن الشعب، وله شرعية حقيقية وليست شرعية (اللي بيتمحك في أي حاجة!). فإذا كان انتخاب الرئيس قبل وضع الدستور، يعطي الرئيس صلاحيات مطلقة، فإن المجلس العسكري في الوضع الحالي ينطبق عليه نفس الكلام، وإذا الرئيس سيتمكن من وضع الدستور على هواه، فنحن لم ننسى بعد موضوع وثيقة السلمي والمادتين 9 و 10، اللتان حاول المجلس العسكري من خلالهما أن يضع نفسه فوق سلطة القانون ويمنح نفسه حصانة من المساءلة والمحاسبة المالية. فخلاصة الأمر ، أن الادعاء بأن تقديم انتخابات الرئاسة على الدستور ليس في مصلحة الشعب أمر لا أساس له، وأن الفيصل الأخير في هذا الأمر، هو الوعي الشعبي والإرادة الشعبية التي كما رفضت وثيقة السلمي، سترفض كل محاولة مشابهة.

كنت أتمنى أن أكتب مقالا في حياتي لا يحتاج لجزء آخر! ولكن ما باليد حيلة. فهذه المفاهيم لا يسعها مقال واحد. إذن، فللحديث بقية.

 

أحمد سعد

4 ديسمبر 2012


 

 
تعليق واحد

Posted by في 4 يناير 2012 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , ,

تغييروفوبيا – 3. لحمة بالبطاطس!


المشكلة مع الكتابة في السياسة، هي أن الأحداث في مصر صارت متلاحقة سريعة التغير؛ تكتب المقال اليوم لتكتشف غدا أنه صار منتهي الصلاحية. لقد جاءتني فكرة هذا المقال يوم مليونية رفض وثيقة السلمي وكنت يومها في المنصورة، فلما عدت لأكتبه وقعت أحداث شارع محمد محمود، ووجدت أن من يقرأ المقال سيقول “مين الرايق ده؟! شوف احنا في إيه وهو في إيه؟!”، فقررت الانتظار. ثم تبعت هذه الأحداث الانتخابات بمرحلتيها، ثم أحداث شارع مجلس الوزراء وكلها أحداث لا تناسب المقال. فالحمد لله على فترة الهدوء الحالية التي ندعو الله أن تطول! أذكر أني قرأت للدكتور أحمد خالد توفيق موقفا مماثلا حدث له في نفس الفترة، حيث أرسل المقال إلى المطبعة مساء  الخميس، ثم حدثت أحداث شارع محمد محمود مما أجل نشر المقال إلى يوم الإثنين، فكانت النتيجة أن المقال جاء منفصلا تماما عن الواقع!

عودة إلى موضوعنا. التغيير يسير في احد اتجاهين؛ إما أن يكون التغيير من أعلى لأسفل، أو من أسفل لأعلى[1]. ولكي نفهم هذه الأنواع يجب أن نتصور النظام المراد تغييره على شكل هرم. فلو أن النظام المراد تغييره هو النظام الحاكم في مصر فرأس الهرم هو رئيس الجمهورية، وتحته الوزراء والمحافظون، ثم مديرو المصالح الحكومية، ثم وكلاء الوزارة، ثم رؤساء القطاعات وهكذا حتى نصل إلى عامة الشعب الذي يحتل قاعدة الهرم. فالنوع الأول من التغيير يعتمد على أن يأتي التغيير من رأس الهرم متجها لأسفله، إما بتغيير الشخص الذي يحتل قمة الهرم أو بتغيير سلوكه، حتى يقوم بتغيير الأشخاص الموجودين تحته مباشرة، ثم يقوموا بدورهم في تغيير من تحتهم وهكذا حتى نصل إلى قاع الهرم. هذا النوع يتميز بأنه سريع وثوري (Revolutionary). أما النوع الثاني فيبدأ من قاع الهرم ثم يصعد لأعلى حتى يصل إلى القمة، ولكنه يقوم على تغيير السلوكيات فقط وليس الأشخاص، وهو تغيير بطيء وتطوري (Evolutionary). ما حدث في ثورة 25 يناير هو تغيير من النوع الأول، قام الشعب بتغيير رأس النظام وهو الرئيس السابق وبعض معاونيه، وهي خطوة لن تكتمل إلا يوم انتخاب رئيس جديد للبلاد، كما قاموا بحل البرلمان وانتخاب آخر جديد.

لكن علماء الإدارة يخبروننا، بأن التغيير الناجح، هو الذي يجمع بين النوعين معا، حيث يقوم الشعب بتغيير رأس النظام، كما يقوم أيضا بتغيير نفسه وتقويم سلوكياته. الناس تزعم أن النظام الفاسد هو سبب كل المصائب، ولكن هذا ليس صحيحا. فالنظام الفاسد ينشر فساده، والناس تتخاذل عن أن ترفض الفساد أو تواجههه فتضطر للتعايش معه ومجاراته عن طريق الرشوة والواسطة والنفاق والبحث عن الأبواب الخلفية، مما ينتج مزيدا من الفساد، وهكذا، حلقة مفرغة لا تنتهي إلا بتغيير النظام الفاسد، وتغيير سلوكيات الناس التي تجاري فساده معا في آن واحد. لكن ما حدث أن الناس أسقطت رأس النظام، واكتفت بذلك فلم يحدث تغيير يذكر. الناس التي كانت تنافق النظام السابق نافقت الثورة ثم نافقت المجلس العسكري، وكما صنعوا من مبارك فرعونا صنعوا من المجلس العسكري واحدا آخر، وسيفعلون ذلك مع الرئيس القادم إن لم يتغيروا! الناس التي تشتكي من توقف عجلة الإنتاج هي نفسها التي تتكاسل عن الذهاب إلى أعمالها وحين تذهب تعمل بلا ضمير أو إتقان وترفع شعار “على قد فلوسهم” كما كانوا يفعلون قبل الثورة. الذين كانوا يدفعون الرشوة ظلوا يدفعونها والذين كانوا يأخذونها لازالوا يأخذونها والذين لم يحترموا قوانين المرور قبل الثورة لم يحترموها بعدها، والذين كانوا يبحثون عن وسائل للغش في الامتحانات ظلوا كما هم. ما حدث أثناء الثورة هو أن الناس أبدت استعدادا للتغير، بدا ذلك في مظاهر التحضر من تنظيف وتنظيم وتجميل للشوارع والميادين، وفي روح المودة والألفة التي سادت بين الشعب عامة والمتظاهرين خاصة. هناك بعض التغيرات في نفسية المصريين يمكن ملاحظتها، منها انكسار حاجز الخوف لدى الناس، وبالذات الخوف من السلطة والجهات الأمنية، ومنها ازدياد شعور الناس بالانتماء وظهر هذا في الإقبال الحاشد على الانتخابات رغم المخاطر التي كانت تحيط بها، والتنظيم الجميل لها من الشعب نفسه. ولكن كل هذا وحده لا يكفي.

كنت منذ عدة أسابيع في عيادة للتأمين الصحي، وكان الزحام شديدا من المرضي الذين جلسوا في انتظار دورهم. وبعد ساعة من الانتظار ودون أي مقدمات توقفت الممرضة عن النداء على المرضى الذين حان دورهم فلم يدخل أي أحد على الطبيبة لفترة تقارب نصف الساعة لنكتشف بعد ذلك أن الطبيبة والممرضة قضيتا كل الوقت في (الرغي) مع بعضهما دون أي اهتمام أو احترام لوقت المرضى! علمت فيما بعد أن هذه كانت عادة يومية للطبيبة. المهم أن المرضى اشتد غضبهم ودخل أحدهم وتشاجر مع الطبيبة وظل كل منهما يصيح في وجه الآخر حتى أعلنت الطبيبة – الموقرة – أنها غضبت و(اتقمصت!) وأنها لن تقوم بالكشف على أي مريض آخر في ذلك اليوم! كما أعلن المريض أنه لن يغادر الغرفة حتى يوقع الكشف عليه. ولكن ما أثار دهشتي وأسفي وإحباطي أن الناس دخلوا يعتذرون للطبيبة ويطلبون عفوها وينهرون الرجل!! قفلت في نفسي: “أي رجال أنتم؟! والله إنكم لتستحقون ما يحدث لكم!”. الرجل دخل كي يدافع عن وقتكم وحقكم الذي أهدرته الطبيبة بلا اكتراث فيكون جزاؤه أن تتخلوا عنه وتجعلوه هو المخطئ وتقدموا لها الأعذار؟! ثم تذكرت أن هذا يحدث في مصر منذ بداية الثورة! يخرج الشباب كي يطالبوا بحق الشعب في قانون تأخر إصداره كقانون الحد الأدنى أو الأقصى للأجور، أو في إقالة حكومة فاسدة فيخرج من يتهمهم بقلة الأدب وبأنهم يعطلون عجلة الإنتاج! الرئيس المخلوع ضيع حقوقنا ثلاثين عاما وجعل سمعتنا واقتصادنا (في الأرض!) ثم حين خرج الشباب مطالبين برحيله سمعنا الكلام عن الأعمال التي توقفت والبورصة التي انضربت والاقتصاد الذي خرب! لماذا نقبل أن نتعطل وتضيع حقوقنا طالما أن هذا بمزاج من في السلطة، ونرفضه بشدة إن كان على يد إخواننا ثمنا لحريتنا واستعادة حقوقنا؟!

إذا كنتم ممن ينطبق عليهم الكلام السابق، فأرجوا أن تنتبهوا إلى المثال التالي. تخيلوا أن رجلا لم يذق طعاما ولا شرابا منذ أربعة أيام، ثم تبرع له أحد أولاد الحلال بقطعة لحم نيء وبعض ثمرات البطاطس. فرح الرجل بذلك فرحا شديدا وذهب إلى بيته وقرر أن يعد صينية لحمة بالبطاطس! ولكنه عندما وصل إلى المنزل كان الجوع قد اشتد به، وصار عليه أن يختار أحد أمرين؛ إما أن يأكل الطعام نيئا، وإما أن يحتمل الجوع قليلا حتى ينتهي من إعداد الطعام. فلنتخيل أن الرجل من شدة جوعه أكل اللحم والبطاطس دون أن يتنظر، حتى إنه لم يغسل الطعام قبل أكله. لم يكن هذا مشكلة بالنسبة له، بل كان منتهى أمله أن يأكل أي شيء ولو لم يجد أمامه إلا حذاءه لأكله! ولكنه ما إن انتهى من الأكل وشبع حتى شعر بالندم الشديد، وقال لنفسه: “لقد احتملت الجوع أربعة أيام .. ألم يكن بإمكاني أن أصبر هذه الدقائق حتى آكل الطعام ناضجا طيبا؟!” .. ولم يلبث هذا الندم أن تضاعف حين زال ألم الجوع، وحل محله ألم المغص، وأصيب بأعراض التسمم! حينها أدرك أن ألم الجوع كان خيرا ألف مرة مما أصابه، والله وحده يعلم كيف ستكون نتيجته ونهايته. هل فهمنا المغزى من القصة؟

وأخيرا، أذكر أني سمعت الدكتور عمرو خالد في شرح جميل له لقول الله – عز وجل: ” وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” [الإسراء:81]، فيقول الدكتور أن الله عز وجل حين قال” إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” فهذا تأكيد من الله عز وجل على أن زوال الباطل أمر محتم لا شك فيه، ولكن إذا لم يأت الحق فإن الباطل يزول ويحل محله باطل آخر! وهذا ما يحدث الآن. لقد تحملنا الصعاب والمشاق كي يرحل الرئيس السابق، ولكننا ليست لدينا العزيمة الكافية كي نغير أنفسنا. لأن نفَسنا قصير، واحتمالنا ضعيف. نريد كل شيء سهلا بلا مقابل. كنا نتمنى لو أن للحرية رقما يبدأ بـ 0900 حتى نتصل به وينتهي الأمر! إن تغيير النفس والسلوكيات تضحية لا تقل مكانة ولا صعوبة عن التضحية التي قدمها الشهداء بأرواحهم. المظاهرات والاعتصامات ليست، وحدها، هي الحل طالما لا نريد أن نتغير. لأن الله عز وجل قال : ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [فاطر:11].

أحمد سعد

1 يناير 2012

2012

 


[1] Top-down Change / Bottom-up Change

 
3 تعليقات

Posted by في 1 يناير 2012 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

تغييروفوبيا – 2. أين الشباب؟


يعلم من درس علم الإدارة، أن هناك نوعان من القوى ترتبطان بالتغيير؛ قوى مؤيدة للتغيير، وقوى ضد التغيير، وهي موجودة في كل زمان ومكان و على كل مستويات التغيير، ولكنها تختلف من موقف لآخر. مثلا، قد تكون المنافسة والرغبة في التفوق قوة مؤيدة للتغيير، بينما العادات والتقاليد قوة ضد التغيير. في ثورتنا كانت فوبيا التغيير قوة معارضة للتغيير، في حين كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجنماعية المتردية قوة دافعة له. ويقول علماء الإدارة، أن التغيير لن يحدث إلا إذا تغلبت القوى المؤيدة له على القوى المضادة له. فإذا طبقنا هذا على مجتمعنا المصري – أو أي مجتمع آخر، فسنجد أن الشباب دوما هم قوة مع التغيير بعكس المسنين الذين يكونون عادة ضد التغيير. هذا أمر طبيعي، فالشباب لديه طاقتة ورؤيتة وأحلامه التي تجعله ساخطا على الواقع راغبا في تغييره بعكس المسنين الذين تتزايد لديهم الرغبة في الاستقرار والتعايش مع الواقع كما هو. كم مرة رأيت فيها شخصا جاوز عمره الخمسين يغير مسكنه أو  سيارته أو وظيفته إلا لأسباب قهرية؟ بينما يسهل أن ترى الشاب يغير سيارته لآنها (مش عاجباه) أو يغير وظيفته لأنها لا تتناسب مع طموحاته – إن كانت لديه القدرة المادية بالطبع! فهذه هي سنة الحياة.

انظر إلى حال مجتمعنا الآن، فستجد أن كبار السن – جزاهم الله عنا خيرا – قد استنفذوا طاقتهم في مواجهة الحياة ومتاعبها سنينا طويلة وجاهدوا كي يوفروا الحياة الكريمة لأبنائهم وذويهم، فلم يعد لديهم ما يكفي لكي يتحملوا مخاطر التغيير ومتاعبه وهذا ما يدفعهم إلى أن يقبلوا بأنصاف الحلول، ويصدقوا كل ما يقوله المجلس العسكري في خطاباته حتى لو كان هذا مخالفا لما يرونه بأعينهم. ظللت شهورا أحاول أن أفهم، ما علاقة المظاهرات في ميدان التحرير بالانفلات الأمني في المناطق الشعبية (ده على أساس إن الداخلية كلها بتأمن الميدان!)، أو بالتأخر المبالغ فيع في إصدار قانون مثل الحد الأدنى والأقصى للأجور أو قانون العزل السياسي أو عزل حكومة شفيق، وما علاقة المظاهرات بتأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ما كان مقررا لها الانتهاء قبل نهاية هذا العام؟! وفي كل مرة كان هناك من كبار السن من يحاول إقناعي أن خروج الناس في يوم الجمعة (الأجازة) للمطالبة بمطالب مشروعة هو تعطيل لمصالح البلد وتدمير للاقتصاد والبورصة والسياحة …إلخ، وأنني لا أزال صغيرا و(مش فاهم!). وكنت أسأل هؤلاء أيضا كيف يكون نزول الناس إلى الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو نزولهم لانتخاب نواب البرلمان اعترافا من الشعب بشرعية المجلس العسكري كما نسمع منهم في كل خطاب، فلا أجد جوابا.

لا يحتاج المرء أن يكون مؤيدا للاعتصامات حتى يتعاطف مع المعتصمين حين يرى ما تفعله الشرطة العسكرية، ومن قبلها قوات الأمن المركزي معهم من تعامل وحشي لا مبرر له. كما لا يحتاج إلى أن يكون محللا سياسيا حتى يتأكد من فشل المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية. بكل المقاييس والمعايير قد فشل فشلا ذريعا. وكلمة الفشل هذه تعكس حسن النية! لأنه لو أساء المرء بهم الظن لاتهمهم بالتواطؤ لإفشال الثورة والقضاء عليها، وهي تهمة ليست ببعيدة. أعجبني رسم تخطيطي شاهدته على الإنترنت يعبر عن حال المجلس العسكري، أنه لو كان هو المتواطئ أو كان لا يعرف من هو المتواطئ، أو كان يعرفهم ولا يقدر عليهم، أو كان يعرفهم ويقدر عليهم لكنه يتركهم لأنه موافق على أفعالهم فالنتيجة واحدة في النهاية. وحين تقول هذا لأحد مؤيدي المجلس العسكري يقول لك أن السبب هو أن المجلس غير مؤهل للعمل السياسي وأنه يجيد العسكرية فحسب، وأنه ما قام بهذا الدور إلا لأننا فرضناه عليه، وأن الفكر العسكري … إلخ. عظيم! سأتناسى مؤقتا أن الذي وكله بهذا الدور ليس الشعب ولكنه الرئيس المخلوع وأقول لك أننا قد وصلنا إلى نقطة اتفاق وهي أن المجلس لا يصلح لأداء هذا الدور! ولذلك يجب التعجيل برحيله من العمل السياسي الذي يقوم به إما بتعجيل انتخابات الرئاسة أو بتسليم سلطاته إلى مجلس الشعب الجديد.

نخلص من كل هذا إلى أن شباب الوطن هم قوة مع التغيير، وأن كبار السن – بطبيعة الحال – هم ضد التغيير، ولذلك فإن التغيير الحقيقي لن يحدث ما لم يتسلم شباب هذا الوطن مقاليد الأمور فيه ويفسح لهم كبار السن المجال، ويقتصر دورهم على المشورة وإبداء الخبرة والرأي ومنع حدوث أي شطط كي يحدث التوازن المطلوب. وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يحدث في كل دول العالم المتحضر. انظر إلى الحكومات المتعاقبة التي تتابعت علينا منذ رحيل الرئيس السابق، هل وجدت فيهم من هو دون الخمسين؟! ليس هذا فحسب، ولكن انظر إلى رؤساء الشركات والمصالح الحكومية ونائبيهم وأصحاب المناصب القيادية. هؤلاء الذين تشبعت عقولهم وقلوبهم عقودا طويلة بالفساد والبيروقراطية والروتين والتهرب من المسئولية وانتظار التعليمات وعدم (تشغيل المخ) وعدم احترام كرامة المواطنين وتعطيل مصالحهم، فكيف ننتظر تغييرا حقيقيا قبل أن يحل محلهم جيل جديد بفكر جديد وطاقة للتغيير؟ لم يكن اعتراضي على الدكتور كمال الجنزوري رئيسا للوزراء لأنه من النظام السابق أو لأنه كان فاسدا. بل كان سببه أننا نحتاج إلى فكر جديد أكثر شبابا ومواكبة للواقع. مصر هي البلد الوحيد في العالم، الذي تحتاج فيه للخبرة كي تحصل على الوظيفة، في حين تحتاج للوظيفة كي تحصل على الخبرة!

 

وللحديث بقية

أحمد سعد

29 ديسمبر 2011

 
3 تعليقات

Posted by في 29 ديسمبر 2011 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

تغييروفوبيا – 1. مقدمة لا بد منها


أستهل هذا المقال بأن أدعو كل المراجع الطبية والسياسية، والمجلات العلمية، وموسوعات الأرقام القياسية، ومكاتب براءات الاختراع المحلية والدولية، أن تسجل باسمي هذا الاكتشاف الجديد .. ألا وهو مرض “التغييروفوبيا” أو “فوبيا التغيير”! من الواضح طبعا أن هذا المقال يتحدث عن الفوبيا .. ويتحدث عن التغيير كذلك! وسبب كتابتي لهذا المقال هو أنني أرى أن الأحداث تكرر نفسها بشكل ممل منذ اندلاع الثورة .. وهي تشير إلى مدى انتشار فوبيا التغيير في مجتمعنا. وقد قررت – أخيرا – أن أستعمل حقي الذي يكفله لي الدستور والقانون ووثيقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أن أكون محللا سياسيا! وأعلم أن حديثي في السياسة سيعرضني لسيل من الانتقادات – التي أرجو ألا تصل إلى حد الشتائم – ولكن كل شيء يهون في سبيل هذا الحق! ولتكن بدايتنا بتحليل هذا العنوان.

الفوبيا أو الرهاب – لمن لا يعرف – هو الخوف المفرط والدائم من شيء ما أو موقف معين يدفع المصاب به إلى تجنب هذا الشيء أو الموقف بأي ثمن، فهناك فوبيا الأماكن المغلقة[1] وهناك فوبيا المرتفعات[2] وغيرها. أنواع الفوبيا لا حصر لها .. ولكنك تستطيع أن تلاحظ الرابط بينها جميعا وهو الدافع لكل أنواع الخوف تقريبا .. ألا وهو الخوف من المجهول. الإنسان يهاب الظلام لأنه يجهل ما فيه .. يرهب الغد لآنه لا يستطيع أن يتنبأ بما سيحمله له .. يتخوف من الإسلاميين أو الليبراليين مثلا لأنه لم يعرفهم عن قرب. وهذا هو الفارق بين الخوف والخشية .. فالإنسان يخاف ما يجهل، ويخشى ما يعرف، ولذلك قال الله – عز وجل – “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء” [فاطر:28]. أما عن التغيير فهو سنة الحياة وطبيعة الأشياء، فلا شيء يبقى على حاله إلا الموتى والجمادات. والحضارة التي تفشل في التغير أو مواكبة التغيير هي حضارة فنت واندثرت. التغيير لا يحتاج إلى تعريف وله عوامله وأنواعه المختلفة التي سنرجيء الحديث عنها إلى المقالات القادمة بإذن الله.

ظللنا نستمع سنوات طويلة إلى أحاديث الناس عن الفساد الذي استشرى وانتشر، والتدهور الرهيب في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلما اندلعت الثورة رأيت الكثيرين من هؤلاء معارضين للثورة واصفين شبابها بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، حتى استقالت الحكومة فحمدوا الله على ذلك، ثم عارض هؤلاء المطالبات برحيل الرئيس السابق وفضلوا الانتظار لحين انتهاء فترته الرئاسية، ووصفوا الثوار مجددا بأنهم لا يمثلون الشعب وبأنهم هم الأغلبية الصامتة، فلما رحل أثنوا على الثورة والثوار. وكذا الحال مع حكومة شفيق التي كان استمرار بقائها صفعة على جبين الثورة فقد تسترت على الفساد والفاسدين ومنحتهم الفرصة كي يحزموا أمتعتهم ويتخلصوا مما يدينهم فلما أقيلت تنفسوا الصعداء. وفي كل مرة كنت أسمع نفس الكلمات والحجج الواهية؛ “يعني هو لما يمشي مين هييجي مكانه؟ قوللي كده مين دلوقتي موجود ينفع يحل محله؟ فلان؟ ده فيه عيوب كذا وكذا. علان؟ ده عمل وسوّى. ها .. مين تاني؟” وكأن مصر لم تنجب سوى فخامة البيه فلان وسيادة الباشا علان وباقي الشعب – اعذروني في اللفظ – هم عاهات!

كل ما سبق هو صور لفوبيا التغيير. ولقد استغل النظام السابق هذا لصالحه، وأوحى للشعب أنه هو حامي الحمى وحافظ الأمن والأمان، وأنه لو رحل لتحولت مصر إلى إحدى مجاهل أفريقيا أو أحراش كينيا! وأصدقكم القول أنه لولا الله – عز وجل – لقُضِي على الثورة يوم الثلاثاء الأول من فبراير، حين أصدر الرئيس السابق خطابه الثاني الذي استعطف فيه الشعب. فلقد دخل الخطاب إلى قلوب الكثير من الناس، ودفعهم إلى أن يكذبوا عيونهم وآذانهم وذاكراتهم التي امتلئت بصور فساد النظام السابق وأكاذيبه، وأن يصدقوا الخطاب، وأن الرئيس المخلوع يستحق فرصة أخرى، حتى خلى الميدان إلا من بضعة آلاف. ولكن عناية الله – سبحانه وتعالى – رزقت الرئيس السابق ومعاونيه بكمية من الغباء لا توصف! فألهمهم بالقيام بموقعة الجمل التي أزالت كل شك أو تردد من قلوب الشعب ودفعته دفعا إلى الاستمرار في ثورته حتى كتب الله لها النجاح.

وختاما لهذه المقدمة، أحب أن أوضح أن العلم قد توصل إلى بالفعل إلى ما يسمى بفويبا التغيير[3] ولكنها مرض نفسي له أعراض كضيق التنفس والغثيان واضطراب ضربات القلب، وهو يختلف تمام الاختلاف عن موضوع المقال، وهو ثقافة الخوف من التغيير.

 

وللحديث بقية

أحمد سعد

26 ديسمبر 2011


[1] Claustrophobia

[2] Acrophobia

[3] Metathesiophobia

 
6 تعليقات

Posted by في 26 ديسمبر 2011 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: