RSS

Tag Archives: الإسلام

نظرية التطور في ميزان العقل والدين (1/3)


ترددت كثيرا في نشر هذه السلسلة القصيرة من المقالات، رغم إنتهائي من إعدادها منذ أكثر من عامين، حيث أن انشغال الجو العام بالأوضاع السياسية جعلني أشعر أن الوقت غير مناسب لنشرها وأن الناس ليست على استعداد لتناول موضوعات تمس الفكر في الفترة الحالية. ولكنني اكتشفت أني كلما انتظرت يزداد الوضع سوءا وتطرأ على الساحة أحداث جديدة، فقررت أن أتوكل على الله وأبدأ بنشرها ونسأل الله عز وجل أن يفتح لها صدور الناس وأن ينفع كاتبها وقراءها بما فيها. وطبعا لا يفوتني في مثل هذه المناسبات أن أؤكد على حقيقة أنني لست عالما في علم الأحياء أو الجينات، ولست كذلك فقيها في الدين. وكل ما أكتبه هنا هو مجرد خواطر تأتيني بناء على قراءاتي المحدودة وخبرتي الضئيلة في الحياة. وأرجو ممن يقرأ كلامي ألا يأخذه كحقيقة مسلّم بها وأن يبحث ورائه ما استطاع، وممن يكتشف خطأ قمت به أن يبادر بتصحيحي. وكل المراجع المستخدمة في هذه السلسلة سأذكرها بإذن الله إما في حينها أو في المقال الأخير منها. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل.

أتحداك إن مشيت في الشارع وسألت الناس “من هو داروين؟” فإن الذين سيستطيعون الأجابة (وهم قليلون) ستكون إجابة أغلبهم “مش ده اللي قال إن الإنسان أصله قرد؟!”. يعلم من قرأ واطلع جيدا أن داروين لم يقل هذا أصلا لكن السطحية و”ثقافة الكلمات المتقاطعة” على حد تعبير د. أحمد خالد توفيق هي أمراض متأصلة عندنا. نظرية التطور هي أقوى النظريات التي تحاول تفسير نشأة الحياة وكيف وصلت الكائنات الحية إلى صورها الحالية، وقد ساهم فيها عشرات العلماء على مدار السنين، وهي من أكثر النظريات التي أحيطت بضجة إعلامية منذ بداية ظهورها وحتى الآن بعد مرور قرن ونصف قرن من الزمان. يتعامل معها أكثر المؤيدين لها على أنها حقيقة مسلّم بها وليست مجرد نظرية، وعلى الجانب الآخر فإن أغلب الرافضين لها يرفضونها لأنها في رأيهم تعارض الدين فحسب وليس لأي سبب علمي. فدعونا نخلع عنا كل هذه الآراء والتحيزات المسبقة ونرى ما تقوله النظرية ذاتها.

في عام 1859 نشر عالم التاريخ الطبيعي الإنجليزي تشارلز داروين Charles Darwin كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي On The Origin Of Species By Means Of Natural Selection” والذي أعلن فيه عن نظريته التي تقول أن جميع الكائنات الحية لها أصل مشترك، وأن هذا الأصل المشترك / الخلية الأصلية / الخلية الأم مر بالعديد من التطورات والتغيرات التدريجية عبر بلايين السنين حتى وصلنا في النهاية إلى الكائنات الحية في صورها الحالية. تكون الكائنات المتطورة أكثر تعقيدا وأفضل موائمة للظروف عن سابقتها ويتم ذلك عن طريق ما يسمى بالانتخاب الطبيعي. مصطلح التطور في حد ذاته يعني التغير في الصفات الموروثة للكائنات الحية عبر الأجيال.

قبل أن نستكمل حديثنا، دعونا نفرق بين ثلاثة أمور يؤدي الخلط بينها إلى مشاكل عديدة، وهذه الأمور هي المبدأ الذي بنيت عليه نظرية التطور، ونظرية التطور نفسها، ومحاولة استخدام النظرية كبديل عن الخلق.
أولا: المبدأ أو المقدمة التي بنيت عليها النظرية وهي أن الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بينها تشابهات رئيسية. هذا المبدأ هو حقيقة علمية لا شك فيها وهناك أدلة كثيرة على صحته وهو “يرجح” أن كل هذه الكائنات لها أصل واحد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام أو أي دين سماوي آخر في شيء لأن الإسلام يؤمن بأن وحدة الخلق تدل على وحدة الخالق.
ثانيا: النظرية في حد ذاتها – كما شرحناها في الفقرة السابقة – لا تعارض الدين في شيء، فنحن نؤمن بأن الله – عز وجل – خلق كل شيء، وسواء أكان هذا خلقا مباشرا لكل كائن بشكل منفصل أم خلق الخلية الأم وجعلها تتطور لتنتج منها الكائنات التي نعرفها اليوم فهو خلق في كل الأحوال.
ثالثا: الادعاء أن النظرية تقدم بديلا عن الخلق وتنفي الحاجة لوجود الخالق، وأن التطور عملية عشوائية لا تدخل للإله فيها، وهذا هو ما يتعارض مع الدين.

أخيرا، نظرية التطور هي مجرد نظرية قد تكون صحيحة وقد تكون خطأ. صحيح أنها مبنية على مقدمات سليمة، لكن النتائج المستنتجة من هذه المقدمات لا يشترط أن تكون صحيحة. وهذا ما سنحاول استكشافه في بقية هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

 

أحمد سعد

22 يوليو 2015

Advertisements
 
 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: