RSS

Category Archives: خواطر في الدين

التطور في ميزان العقل والدين (3/3)


وصلت إلى بعض الردود على المقال السابق تتعلق بنقطتي التحور الجيني والسجلات الحفرية وهي تقترح أن المعلومات التي ذكرتها بهذا الصدد قديمة بعض الشيء ولا يمكن الاعتماد عليها لتكوين رأي سليم. طبعا لا أحد معصوم من الخطأ، وقد وضحت في المقال الأول أني لست عالما في الطب أو الأحياء، وما هذه إلا خواطر تردني نتيجة القراءة والاطلاع. فلا مشكلة عندي أن يصححني أحد وأن أراجع نفسي فيما ذكرت. لكن أذكركم أيضا بما أشرت إليه في المقال الأول. فمشكلتي ليست مع النظرية في حد ذاتها، وأنا مستعد لقبول النظرية إذا توفرت لدي أدلة كافية على صحتها، ولكن مشكلتي مع الادعاء أن النظرية تنفي الحاجة إلى وجود خالق، وهو ما سنتحدث عنه اليوم بإذن الله.

دعونا الآن نترك النظرية ونذهب إلى من يحاولون استخدام النظرية لإيجاد بديل عن الخلق. يعتقد هؤلاء أن التطور هو عملية عشوائية بدون أي تدخل من قوى عاقلة (خالق) ولا تدفعها إلا الرغبة في التكيف مع الظروف المحيطة. وهؤلاء تواجههم مشكلة كبيرة. فالنظرية تتحدث على أن أصل جميع الكائنات الحية هي خلية واحدة وجدت على الأرض منذ ما يقارب 4 بليون سنة، ولكنها لم تفسر كيف تكونت هذه الخلية! لكن هؤلاء يعتقدون أن هذه الخلية تكونت بصورة طبيعية في ضوء قوانين الطبيعة، ورغم أن داروين لم يتعرض لنشأة الخلية الأم صراحة في كتابه، لكن المفهوم السائد في ذلك الحين كان هو مفهوم التولد اللحظي Spontaneous Generation.

نظرية التولد اللحظي هي نظرية ظهرت منذ أيام الفلاسفة الإغريق واستمرت حتى القرن التاسع عشر. تقول هذه النظرية أن الكائنات الحية تتولد بشكل مستمر من أشياء غير حية، وكانت مبنية على مشاهدات وخرافات منتشرة في هذه العصور، مثل أن الديدان تتولد من اللحم المتعفن، وأن الحشرات والفئران تتولد من بقايا الطعام … إلخ. ولكن تطور العلم وظهور الميكروسكوب نفى كل هذا الهراء، فالديدان مثلا لا تتولد من اللحم المتعفن، لكن بيض الديدان الذي لا يرى بالعين المجردة تحمله الحشرات وهي تطير وتنقله إلى هذه الأماكن. وكانت نهاية هذه النظرية حين أعلن العالم الكبير لويس باستير عام 1864 عن نتائج تجاربه التي أثبتت أن هذه الكائنات الدقيقة لا تنشأ من الجمادات بل تنتقل إليها من الخارج. وبهذا كانت نهاية نظرية التولد اللحظي.

النتائج التي وصل إليها باستير أسست لمفهوم جديد في العلم يسمى Biogenesis أو التخلق الحيوي، وهو يعني أن الحياة لا تنشأ إلا من الحياة، فالخلية الحية تنقسم لتنشأ منها خلايا حية أخرى، والكائنات الحية تلد أو تبيض لتنشأ منها أجيال أخرى وهكذا. التخلق الحيوي يفسر كيف تنشأ الحياة من حياة موجودة بالفعل ولكنه لم يفسر كيف نشأت الحياة في بداية الأمر، ولذلك فقد نشأ مع ذلك المفهوم مفهوم آخر هو مفهوم Abiogenesis أو التخلق اللا حيوي، وهو يقول أن الحياة نشأت في بداية الأمر من الجماد وأن هذه عملية طبيعية لا تحتاج إلى تدخل من خالق أو غيره.

ستون عاما مرت على نشأة المفهومين دون أن يكون هناك دليل واضح على إمكانية حدوث التخلق اللا حيوي أو تفسير لعدم استمرار حدوثه في وقتنا هذا. ثم جاء العالم السوفيتي أوبارين Alexander Oparin عام 1924 ليقول أن التخلق اللا حيوي قد حدث بالفعل مرة في الماضي وتسبب في نشأة الخلية الأصلية ولكنه لم يعد ممكن الحدوث لأن الظروف الطبيعية الآن مختلفة عما كانت عليه عند نشأة الأرض. وعليه فإن الخلية الحية يمكن تكوينها في المعمل إذا استطعنا محاكاة الظروف الطبيعية التي كانت موجودة عند بداية الحياة. ثم جاءت تجربة ميلر-يوري Miller-Urey الشهيرة عام 1952 حيث قاما بتسخين خليط من الماء وغاز الميثان والأمونيا والهيدروجين وتعريضهم إلى صواعق كهربية في محاولة لمحاكاة الظروف التي تحدثنا عنها، وكانت النتيجة هي تكون العديد من الأحماض الأمينية التي هي حجر الأساس لجزيء البروتين، المكون الأساسي للخلية الحية.

لا داعي لأن نذكر أن المؤمنين بالنظرية اعتبروا هذا الاكتشاف انتصارا عظيما لها وضربة ساحقة للمؤمنين بالخلق، ولكن دعونا نفكر في الأمر قليلا. أولا: هذه الأحماض الأمينية لم تنشأ من العدم، فهذه الأحماض تتكون في الأساس من الهيدروجين والكربون والأكسجين والنيتروجين، وكلها غازات موجودة في الغلاف الجوي، فالتجربة استطاعت أن توحد هذه الغازات المنفصلة في صورة أحماض أمينية. الأمر الثاني: هناك فرق شاسع بين الأحماض الأمينية والخلية الحية. وللتوضيح دعونا نفكر في المثال الآتي:

تخيل مثلا لو أنك جئت بالمواد الخام التي تستخدم في صناعة محرك السيارة فستجد أن ثمنها لا يتعدي 500 دولار على أقصى تقدير، لكن محرك السيارة قد يصل ثمنه إلى 50 ألف دولار. سبب هذا الفرق الشاسع (100 ضعف) هو العلم والخبرة والمعرفة العملية The Know-how التي استخدمت في تحويل المواد الخام الجامدة التي لا فائدة منها إلى جهاز يقوم بحرق الوقود في وجود الأكسجين وتيار كهربي من أجل توليد حركة دائرية ذات سرعة وعزم وقدرة معينين. فالأحماض الأمينية هي مجرد مواد كيميائية يمكن تحضيرها في المعمل، وهي في حد ذاتها غير قادرة على صنع أي شيء، أما الخلية فهي أمر شديد التعقيد، لديها القدرة على الانقسام وتحمل بداخلها الصفات الوراثية للكائن الحي الذي تنتمي إليه، والحمض النووي DNA الموجود بها يحتوي على معلومات تكفي لكتابة دائرة معارف من 450,000 صفحة! المشكلة لا تكمن في الوصول إلى المواد الكيميائية التي تكون الخلية، بل المشكلة في الوصول إلى سر الحياة التي يجعل هذه المواد شيئا حيا يستطيع أداء الوظيفة المنوطة به. من الجدير بالذكر أن العلماء اكتشفوا لاحقا أن الغازات المستخدمة في التجربة غير واقعية ولا تحاكي بدقة جو الأرض البدائي الذي بدأت فيه الحياة.

وفي ختام هذه النقطة، يجب أن نذكر بعض الأرقام المهمة. جزيء البروتين يحتوي في المعتاد على 300 حمض أميني. ومع ذلك فإذا افترضنا إمكانية وجود جزيء بروتين يحتوي على عدد أقل بكثير من الأحماض الأمينية ويكون قادرا على أداء وظيفته فاحتمال تكون هذا الجزيء صدفة يساوي1E-43. يعني بعبارة أخرى: ” 0.00000000000000000000000000000000000000001 %” . بعض العلماء قال إن الرقم ده مش منطقي وإن الرقم الأكثر منطقية هو 1E-195، يعني هتزود عدد الأصفار اللي فوق دي أكثر من 4 أضعاف! طب تخيل بقى الجزيء العادي اللي بيحتوي على 300 حمض أميني، احتمال تكونه صدفة هو 1E-390 يعني 9 أضعاف عدد الأصفار دي. أي احتمال أقل من 1E-50 هو مستحيل عمليا. وده معناه إن الاحتمال ده هو المستحيل لما تضربه في نفسه 7.8 مرة!!! كل هذا من أجل إنتاج جزيء بروتين واحد! خذ في اعتبارك أن الخلية البشرية الواحدة تحتوي حوالي 10 بليون جزيء بروتين من أكثر من 10,000 نوع. كل ده ولسه ما اتكلمناش عن سر الحياة!

حقيقة أخرى هي أن الحمض النووي لا يمكنه نسخ نفسه عند انقسام الخلية إلا بمساعدة بروتينات خاصة تسمى بالإنزيمات. ولكن هذه الإنزيمات لا يمكن تحضيرها بشكل سليم إلا من خلال المعلومات المشفرة الموجودة في الحمض النووي! هذا يعني أن كلا منهما يعتمد في وجوده على الآخر وكلا منهما يجب أن يكون موجودا في نفس الوقت (بالمصادفة البحتة) حتى يحدث الانقسام!! إذن فمن المستحيل نظريا وعمليا ورياضيا وفيزيائيا وكيميائيا أن تتكون الخلية الأصلية بالصدفة أو بطرق طبيعية وكيميائية.

كل هذه الأسباب تدفعني إلى أن أتعامل مع نظرية التطور كما هي، باعتبارها نظرية قد تحتمل الصواب أو الخطأ. صحيح أن التشابه بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية أمر لا جدال فيه، لكن هذا لا يجزم بأن الكائنات الحية نشأت بالطريقة التي تقترحها النظرية، وهي التحورات في الخلية الأصلية التي أدت إلى نشأة أنواع جديدة ثم التحورات في هذه الأنواع التي أدت إلى ظهور أنواع أخرى. على الجانب الآخر، فهذه الأسباب أيضا تدفعني إلى أن أرفض التعامل مع النظرية باعتبارها تعارض الدين، لأن النظرية لا تقدم بديلا عن الخلق، بل هي في رأيي المتواضع تقف في صفه.

 

أحمد سعد

5 أغسطس 2015

المراجع:

Charles Darwin – On the Origin of Species by means of Natural Selection (1859)

Harwn Yahya – The Signs Leading to Faith (2004)

Brian L. Silver – The Ascent of Science (2000)

Nash Popovic – The Synthesis (2008)

Evolution FAQ – The Probability of Life

National Institute of General Medical Sciences – Inside the Cell

Wikipedia: Natural SelectionAbiogenesisBiogenesisSpontaneous GenerationMiller-Urey ExperimentModern Evolutionary Synthesis

 
 

الأوسمة: , , , , , , , ,

التطور في ميزان العقل والدين (2/3)


تعرفنا في المرة السابقة على نظرية التطور كما صاغها داروين، ووضحنا الفارق بين ثلاثة أمور؛ النظرية نفسها، والمقدمات التي بنيت عليها النظرية، ومحاولة استخدام النظرية لتفسير نشأة الخلق دون خالق. ووضحنا أن الخلط بين هذه الأمور يسبب مشاكل في الفهم سواء لمن يؤيد النظرية أو يعارضها. واليوم نبدأ في التعرف على نقاط ضعف النظرية نفسها.

هناك فصل كامل في كتاب داروين يسمى “صعوبات النظرية Difficulties of the Theory” يتحدث فيه داروين عن العوائق التي تقف في طريق النظرية وإثبات صحتها ويضع أملا كبيرا على أن تثبت الاكتشافات العلمية المستقبلية صحة النظرية. ولكن بعد البحث في النظرية نجد أن هناك عدة تساؤلات رئيسية لم تستطع النظرية أن تجيب عليهم، وهذه التساؤلات تشكل نقاط الضعف الرئيسية فيها.

النقطة الأولى هي وسيلة التطور، وهي تتمثل في الإجابة عن سؤال “كيف يحدث التطور؟”. طبقا لما قاله داروين وكما هو واضح من عنوان كتابه أن التطور – في رأيه – يحدث من خلال الانتخاب الطبيعي Natural Selection وهو يعني أن الكائنات الأقوى ذات الصفات الأكثر تناسبا مع الظروف التي تعيش فيها هي التي ستربح الصراع من أجل البقاء. فمثلا لو أن لدينا قطيعا من الغزلان تهاجمه الأسود باستمرار فإن الغزلان الأكثر سرعة هي التي ستبقى على قيد الحياة، وهذا يعني أن القطيع سيتكون بعد انتهاء الهجوم من الغزلان الأكثر سرعة فقط. المشكلة أن هذا لن يدفع الغزلان أن تنقل صفات معينة للأجيال القادمة أو أن تتطور إلى كائنات أخرى كالحصان مثلا، فالانتخاب الطبيعي ليس ميكانيزما للتطور في حد ذاته، وهو ما اعترف به داروين نفسه في كتابه حيث قال:

 … and natural selection can do nothing until favourable variations chance to occur …

وهو ما معناه أن الانتخاب الطبيعي لن يفعل شيئا بمفرده حتى تحدث بعض الاختلافات المرغوب فيها. إذن علينا الآن أن نبحث عن هذه الاختلافات المرغوب فيها. في ذلك الحين لم يكن العلم بالتطور الذي وصلنا إليه الآن، وكان كثير من الخرافات منتشرا حتى بين العلماء، فكان علماء الأحياء أمثال الفرنسي لامارك Lamarck يؤمنون أن الكائنات تنقل بعض الصفات التي اكتسبتها في حياتها إلى الأجيال التالية، فمثلا كانوا يعتقدون أن الزرافة كانت في الأصل ظبيا (اللي هو في الصورة للي مش عارفه!) وكانت تجاهد كي تأكل من أغصان الأشجار العالية فطالت رقبتها جيلا بعد جيل حتى صارت زرافة! كما ذكر داروين في كتابه أن الدببة التي كانت تذهب إلى الماء بحثا عن الطعام يمكن أن تكون قد تحولت إلى حيتان بمرور الزمن! انتهي كل ذلك بالطبع باكتشاف العالم ميندل Mendel الملقب بأبو علم الجينات لقوانين الوراثة ومنها أن هناك نوعين من الصفات، صفات موروثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق الجينات مثل لون العينين وملامح الوجه والطول ولون البشرة والأمراض الوراثية … إلخ. وهناك صفات مكتسبة يكتسبها الكائن الحي خلال فترة حياته وهي لا تورث. فمثلا، الشخص الذي يمارس الرياضة، لن ينجب أطفالا لهم عضلات أقوى من غيرهم! كما أن الذي فقد بصره في حياته لن ينجب أطفالا فاقدي البصر، إلا إذا كان فقدانه لبصره نتيجة لمرض وراثي، قكل هذه صفات مكتسبة لا تورث.

لكن العلماء المؤمنين بالنظرية لم ييأسوا، وتوصلوا إلى ما يعرف باسم Modern Evolutionary Synthesis وهو النموذج الحالي من النظرية، وقدموا وسيلة مساعدة جديدة للانتخاب الطبيعي ألا وهي التحور الجيني Genetic Mutation إما بصورة طبيعية أو نتيجة إشعاع أو خطأ عشوائي في نسخ الحمض النووي لحظة انقسام الخلية. فهم يقولون أن الكائنات الحية المختلفة الموجودة اليوم هي نتيجة التعرض لطفرات جينية صغيرة وعديدة على مدار السنين. هناك بعض الحقائق العلمية التي تعارض هذه النظرية. أولا، أن الطفرات أو التحورات الجينية أمر نادر الحدوث. ثانيا، هناك قاعدة منطقية تقول بأن أي تغيير عشوائي في نظام عالي التنظيم يكون دائما للأسوأ. فمثلا عندما يضرب الزلزال أحد المباني فإنه سيؤدي إلى تغيير عشوائي في هيكل المبنى، وهذا التغيير هو قطعا للأسوأ. لذلك فلم يوجد حتى الآن في تاريخ العلم مثال واحد على تحور جيني أدى إلى تطور في وظائف الكائن الحي، بل هو دوما سبب في إعاقته. وأقوى مثال على أضرار التحور الجيني هو السرطان. نخلص من كل هذا أن غياب وسيلة فعالة ومؤثرة لحدوث التطور هو أول نقطة ضعف في النظرية.

النقطة الثانية، هي أن عملية التطور عملية بطيئة للغاية، وتستغرق آلاف بل ملايين السنين كي تكتمل، وطيلة هذه السنين تكون الكائنات المتطورة في مرحلة انتقالية فتكون أعضائها/صفاتها الجديدة غير مكتملة وتكون أعضائها/صفاتها القديمة لم تختف بعد بشكل كامل، بمعنى أنه في أغلب فترات هذه المرحلة الانتقالية تكون هذه الكائنات معاقة. فمثلا الأسماك التي تحولت إلى زواحف كانت في مرحلة ما لديها بعض صفات الزواحف وبعض صفات الأسماك وكلاهما غير مكتمل، ونفس الشيء ينطبق على الزواحف التي تحولت إلى طيور … إلخ. السؤال إذن، لماذا لا نرى حولنا كائنات كثيرة في مراحل انتقالية؟! هل يعقل أن كل الكائنات قد تطورت ووصلت إلى مرحلة الكمال فلم تعد تحتاج إلى التطور للتكيف مع ظروف البيئة المتغيرة؟! وإن كان هذا صحيحا، فلا بد أن هناك ملايين الكائنات التي عاشت في الماضي في مراحلها الانتقالية، ولا بد من وجود حفريات لهذه الكائنات أيضا. فلماذا لا نرى في السجلات الحفرية Fossil Records حفريات لحيوانات في مراحلها الانتقالية؟! وهو ما قاله داروين:

… Hence we ought not to expect at the present time to meet with numerous transitional varieties in each region, though they must have existed there, and may be embedded there in a fossil condition …

أي أنه على الرغم من أننا لا نرى أمثلة عديدة على كائنات في مراحلها الانتقالية إلا أنها لا بد أن كانت موجودة في الماضي، ولا بد من وجود حفريات لها. وأكد داروين على أنه مع تطور العلم والبحث في السجلات الحفرية فسيتم العثور على هذه الحفريات. ورغم كل الجهد المبذول عبر 150 سنة حتى الآن لم يستطع المسكتشفون العثور على أي من هذه الحفريات (اللي المفترض تكون كثيرة جدا). بل على النقيض، فإن كل الحفريات المكتشفة تؤكد أن الكائنات الحية التي نراها اليوم إنما وجدت فجأة وعلى صورتها الحالية منذ بداية الأمر.

وللحديث بقية بإذن الله.

 

أحمد سعد

28 يوليو 2015

 
أضف تعليق

Posted by في 28 يوليو 2015 in خواطر في الدين

 

نظرية التطور في ميزان العقل والدين (1/3)


ترددت كثيرا في نشر هذه السلسلة القصيرة من المقالات، رغم إنتهائي من إعدادها منذ أكثر من عامين، حيث أن انشغال الجو العام بالأوضاع السياسية جعلني أشعر أن الوقت غير مناسب لنشرها وأن الناس ليست على استعداد لتناول موضوعات تمس الفكر في الفترة الحالية. ولكنني اكتشفت أني كلما انتظرت يزداد الوضع سوءا وتطرأ على الساحة أحداث جديدة، فقررت أن أتوكل على الله وأبدأ بنشرها ونسأل الله عز وجل أن يفتح لها صدور الناس وأن ينفع كاتبها وقراءها بما فيها. وطبعا لا يفوتني في مثل هذه المناسبات أن أؤكد على حقيقة أنني لست عالما في علم الأحياء أو الجينات، ولست كذلك فقيها في الدين. وكل ما أكتبه هنا هو مجرد خواطر تأتيني بناء على قراءاتي المحدودة وخبرتي الضئيلة في الحياة. وأرجو ممن يقرأ كلامي ألا يأخذه كحقيقة مسلّم بها وأن يبحث ورائه ما استطاع، وممن يكتشف خطأ قمت به أن يبادر بتصحيحي. وكل المراجع المستخدمة في هذه السلسلة سأذكرها بإذن الله إما في حينها أو في المقال الأخير منها. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل.

أتحداك إن مشيت في الشارع وسألت الناس “من هو داروين؟” فإن الذين سيستطيعون الأجابة (وهم قليلون) ستكون إجابة أغلبهم “مش ده اللي قال إن الإنسان أصله قرد؟!”. يعلم من قرأ واطلع جيدا أن داروين لم يقل هذا أصلا لكن السطحية و”ثقافة الكلمات المتقاطعة” على حد تعبير د. أحمد خالد توفيق هي أمراض متأصلة عندنا. نظرية التطور هي أقوى النظريات التي تحاول تفسير نشأة الحياة وكيف وصلت الكائنات الحية إلى صورها الحالية، وقد ساهم فيها عشرات العلماء على مدار السنين، وهي من أكثر النظريات التي أحيطت بضجة إعلامية منذ بداية ظهورها وحتى الآن بعد مرور قرن ونصف قرن من الزمان. يتعامل معها أكثر المؤيدين لها على أنها حقيقة مسلّم بها وليست مجرد نظرية، وعلى الجانب الآخر فإن أغلب الرافضين لها يرفضونها لأنها في رأيهم تعارض الدين فحسب وليس لأي سبب علمي. فدعونا نخلع عنا كل هذه الآراء والتحيزات المسبقة ونرى ما تقوله النظرية ذاتها.

في عام 1859 نشر عالم التاريخ الطبيعي الإنجليزي تشارلز داروين Charles Darwin كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي On The Origin Of Species By Means Of Natural Selection” والذي أعلن فيه عن نظريته التي تقول أن جميع الكائنات الحية لها أصل مشترك، وأن هذا الأصل المشترك / الخلية الأصلية / الخلية الأم مر بالعديد من التطورات والتغيرات التدريجية عبر بلايين السنين حتى وصلنا في النهاية إلى الكائنات الحية في صورها الحالية. تكون الكائنات المتطورة أكثر تعقيدا وأفضل موائمة للظروف عن سابقتها ويتم ذلك عن طريق ما يسمى بالانتخاب الطبيعي. مصطلح التطور في حد ذاته يعني التغير في الصفات الموروثة للكائنات الحية عبر الأجيال.

قبل أن نستكمل حديثنا، دعونا نفرق بين ثلاثة أمور يؤدي الخلط بينها إلى مشاكل عديدة، وهذه الأمور هي المبدأ الذي بنيت عليه نظرية التطور، ونظرية التطور نفسها، ومحاولة استخدام النظرية كبديل عن الخلق.
أولا: المبدأ أو المقدمة التي بنيت عليها النظرية وهي أن الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بينها تشابهات رئيسية. هذا المبدأ هو حقيقة علمية لا شك فيها وهناك أدلة كثيرة على صحته وهو “يرجح” أن كل هذه الكائنات لها أصل واحد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام أو أي دين سماوي آخر في شيء لأن الإسلام يؤمن بأن وحدة الخلق تدل على وحدة الخالق.
ثانيا: النظرية في حد ذاتها – كما شرحناها في الفقرة السابقة – لا تعارض الدين في شيء، فنحن نؤمن بأن الله – عز وجل – خلق كل شيء، وسواء أكان هذا خلقا مباشرا لكل كائن بشكل منفصل أم خلق الخلية الأم وجعلها تتطور لتنتج منها الكائنات التي نعرفها اليوم فهو خلق في كل الأحوال.
ثالثا: الادعاء أن النظرية تقدم بديلا عن الخلق وتنفي الحاجة لوجود الخالق، وأن التطور عملية عشوائية لا تدخل للإله فيها، وهذا هو ما يتعارض مع الدين.

أخيرا، نظرية التطور هي مجرد نظرية قد تكون صحيحة وقد تكون خطأ. صحيح أنها مبنية على مقدمات سليمة، لكن النتائج المستنتجة من هذه المقدمات لا يشترط أن تكون صحيحة. وهذا ما سنحاول استكشافه في بقية هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

 

أحمد سعد

22 يوليو 2015

 
 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

فن الحوار


لست أعتقد أني بحاجة إلى أن أبرهن لكم على أن مجتمعنا يفتقر إلى ثقافة الحوار، فالأشهر القليلة الماضية تزخر بعشرات إن لم يكن مئات الأمثلة. وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل إننا نفتقر إلى ما هو أهم من ذلك ألا وهو الرغبة في سماع الآخر من الأساس! منذ أن رحل النظام السابق – أو هكذا تصورنا حينها – حتى تلاشى المطلب الواحد، وتفرق الجمع ، وصرنا فرقا وفصائل لكل منها أهدافه ومصالحه التي يسعى إليها وربما يقدمها على مصلحة هذا الوطن. وصار كل منا على المستوى الشخصي ديكتاتورا لا يريد أن يسمع إلا نفسه، فيختار من برامج التليفزيون ومن الصحف ما يخبره بما يوافق هواه ويؤكد وجهة نظره التي اقتنع بها، بل ويتخير من أصدقاءه من يشاركه رأيه فحسب أما ما عدا ذلك فمصيره الهجوم والتخوين، أو التجاهل في أحسن الأحوال. نحن نحتاج إلى فن الحوار لأغراض عديدة قد تكون دينية كالحوار مع غير المسلمين أو سياسية كالنقاشات التي صارت جزءا من حياتنا اليومية. لذلك، شعرت أن من واجبي أن أكتب هذا المقال مستعينا بالله ثم بخبرتي الضئيلة وخبرات الآخرين لأوضح فيه كيف ندير حوارا ناحجا.

أولا وقبل الدخول في الحوار لا بد أن يسأل المرء نفسه سؤالا هاما، ما هو الهدف من هذا الحوار وما هي النتائج المتوقعة منه؟! لا بد أن تعلم أن سحق الطرف الآخر أو إفحامه أو إحراجه هي إجابات خاطئة على السؤال الماضي، وثق تماما أن الإجابة الصحيحة لا بد أن تحتوي على عبارتي “سماع وفهم وجهة نظر الآخر” و “تقريب وجهات النظر”، فإن لم يحدث هذا فتأكد من أن الحوار قد فشل قبل أن يبدأ. إثبات صحة وجهة نظرك والدفاع عنها وإثبات خطأ وجهات النظر الأخرى أمور لا بأس بها، ولكنها لا تأتي في المرتبة الأولى. لا بد كذلك أن يكون لديك استعداد نفسي لأن تكتشف أنك على خطأ وأن تتقبل هذا وتعترف به دون خجل. أي أنك لا بد أن تقتنع بمقولة الإمام الشافعي – رحمه الله – : “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. فلتتأكد أيضا أنه لا يوجد مخلوق على وجه الأرض يستطيع أن يقنعك بأمر لا تريد أن تقتنع به ،فعنادك وكبرك سيدفعانك إلى أن تتعامى عن الحقيقة الواضحة. وأخيرا، احرص على أن تبدأ الحوار بالدعاء “اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه”.

ثانيا، يجب عليك معرفة الشخص الذي ستقوم بمحاورته. هناك ثلاثة أنواع من الأشخاص، وهذه الأنواع تتضح أكثر في الحوار مع الملحدين. فهناك العابث الذي لا هدف له سوى السخرية وليس لديه استعداد للفهم أو الاقتناع، وهذا تعرفه من طريقته في النقاش. وهناك المرائي – بضم الميم – الذي يجادل لأجل الجدل فحسب. يمكنك تمييز هذا النوع بسهولة حيث يخرج من نقطة فرعية ليدخل في نقطة فرعية أخرى، وكلما أغلقت له بابا فتح غيره، كي يستمر الجدال بلا فائدة. أما النوع الثالث من الناس فهو الحائر الذي يريد حقأ أن يفهم، ويبحث بصدق عن الحقيقة. ولست بحاجة إلى أن أؤكد لك أن النوع الأخير هو الوحيد الذي يستحق أن تبذل من وقتك وجهدك في الحوار معه. باختصار، عليك أن تتأكد أن الشروط الموجودة في الفقرة السابقة كما تنطبق عليك تنطبق على من تحاوره أيضا!

هناك شروط تتعلق بالحوار ذاته. فيجب قبل الحوار أن يعطي كل منكما الآخر فرصة كي يشرح وجهة نظره. قكثيرا ما يحدث، أن تقضي ساعات من وقتك في النقاش مع خصمك لتكتشف في النهاية أنه مقتنع بنفس وجهة نظرك وإن كان يعبر عنها بشكل مختلف. وفي المقابل فقد تضيع ساعات من وقتك في إقناعه مثلا بضرورة رحيل المجلس العسكري لأنه يعطل تحقيق أهداف الثورة، لتكتشف بعد كل هذا الوقت أنه أصلا من معارضي الثورة! الجدال حول الفروع مع الاختلاف حول الأصول مضيعة للوقت والجهد. حيث يسهل مثلا أن ينزلق المسلم إلى الجدال حين يسمع ادعاءات الملحدين أن هناك تعارضا بين بعض آيات من القرآن، في حين أن الملحد لا يؤمن بالقرآن أصلا، ولو أثبت له عدم التعارض لما أثر ذلك فيه شيئا! الأمر يشبه شخصا في القاهرة يسأل المارة عن كيفية الذهاب إلى برج إيفل! التصرف الصحيح هو أن تخبره أن يستقل الطائرة المتجهة إلى باريس ثم يسأل المارة هناك! أما أن تضيع وقتك في وصف الطريق له فهو بلا فائدة. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، هو إن كان الجدال حول الفروع مدخلا للاتفاق حول الأصول، بمعنى أن تكون هذه المسألة الفرعية هي سبب المشكلة والخلاف. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يمضي الحوار باستمرار في اتجاه البحث عن أرضية مشتركة. بمعني أننا نبحث أولا عن نقاط الاتفاق حتى يتسنى لنا التعرف على نقاط الاختلاف فنركز عليها في حوارنا بدل أن نضيع الوقت في كلام مكرر لا طائل من وراءه.

وأخيرا، في الغالب أن كل مكان وكل شلة أصحاب في مصر تحتوي على شخصين أحدهما يظن الآخر من الفلول ومؤيدي الرئيس المخلوع، والثاني يظن الأول أناركيا يريد تخريب البلد، وكان كل منهما يتجاهل الآخر ويتحاشاه، وربما مسحه من قائمة أصدقاءه على الفيسبوك! أيا كانت نهاية هذا الحوار، فأنا واثق أنهما سيكونان سعيدين بما وصلا إليه من اتفاق وتقريب لوجهات النظر. ثقافة الحوار ليست رفاهية ولا أمرا ثانويا، فالمرء بحاجة لأن يسمع الرأي الآخر أكثر من حاجته لأن يسمع رأيه من غيره.

 

أحمد سعد

16 فبراير 2012

 

الأوسمة: , , , , ,

تشغيل مخ


قبل أن أبدأ في الكلام، لا بد – منعا لجدال عقيم – أن أؤكد أني لست فقيها ولا عالما، وإنما أنا مجرد شاب، أنعم الله عليه بسعة الاطلاع وألهمه أن يؤدي الفريضة التي أهملها كثير من الناس، ألا وهي فريضة التفكير. لذلك فأنا أدعوكم إلى أن تنسوا أو تتجاهلوا مؤقتا الشخص الذي يتحدث إليكم، وتركزوا أكثر فيما يقوله هذا الشخص، وأن يكون الرد على الحجة بالحجة فلا ندع مجالا للتعصب والعواطف في غير محلها. انتهيت مؤخرا من قراءة كتاب “التفكير فريضة إسلامية” للأديب الراحل الرائع عباس العقاد، وأكتفي بذكر نقطة واحدة منه، وهي أن الأصل في الدين هو الاجتهاد، والتقليد لا يكون إلا عند العجز عن الاجتهاد. بل إن الإمام الغزالي – رحمه الله – في كل كتبه يحرم التقليد على من يستطيع التعلم والاهتداء بعقله إلى حقائق الدين. كما أن العجز عن الاجتهاد، حالة لا يجب أن يستسلم لها الإنسان، بل عليه أن يعمل على الخلاص منها قدر المستطاع. وأما موضوعنا الذي نحن بصدد الحديث عنه هو علاقتنا بإخواننا المسيحيين، شركائنا في الوطن.

في الغالب أن أول ما سيلاقي الاعتراض في هذه المقدمة هي كلمة “إخواننا” في العبارة الأخيرة، فقد قرأت وسمعت لبعض المشايخ الذين يقولون بعدم جواز أن ننادي غير المسلمين بالإخوة! ودعونا أولا نذكّر بقاعد فقهية ستستمر معنا طوال المقال، وهي أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو الإباحة، فكل شيء حلال إلا ما ورد نص بتحريمه. وهذا يعني أنني لست مضطرا على الإطلاق لأثبات أن أمرا معينا حلال، بل على من يقول بتحريمه أن يأتي بالدليل، ولكني – بكرم أخلاق مني – سأظل معهم لحد باب الدار كما يقولون! بحثت كثيرا فلم أجد سندا أو دليلا يؤيد الادعاء المذكور في بداية هذه الفقرة، بل إنه يخالف صريح القرآن الكريم. يقول الله عز وجل في أكثر من موضع “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ”، “وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا” ،”وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا”، “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ”، “وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا”. فالله عز وجل ينص على أن الأنبياء إخوة لقومهم الذين أرسلوا إليهم أخوّة الوطن رغم أنه أيضا ينص على قوله عز وجل “كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ”. فرغم أن أخوة الدين أقوى عندنا معشر المسلمين من أخوة النسب وأخوة الوطن وأخوة الإنسانية، إلا أنها لا تلغيها أو تحرمها.

الأمر الثاني هو القول أننا لا يجوز لنا أن نحب غير المسلمين، ويستشهدون بقول الله عز وجل “لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…” [المجادلة:22] ولكننا إذا فكرنا في الأمر فسنعجب كيف يبيح الإسلام للرجل المسلم أن يتزوج من امرأة مسيحية أو يهودية ثم يحرم عليه أن يحبهما؟! كيف يخلتف الدليل العقلي مع الدليل النقلي[1]؟ في الواقع هما لا يختلفان لكن الأمر يحتاج للتوضيح. أجمع فقهاء الأمة، أن الحب والكره الذي أمرنا به والذي يعرف بين المتخصصين بالولاء والبراء يكون للأفعال وليس للأشخاص .. مش فاهم حاجة؟! طب أبسطهالك! بمعني أنك ليس عليك أن تكره جميع الكفار لكنك تكره كونهم كفارا، كما لا يشترط أن تحب كل المسلمين لكنك تحب كونهم مسلمين. أنت مثلا قد تجد صديقين أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي، يحب كل منهما الآخر ولكنه يكره توجهه السياسي. أما حبك وكرهك للشخص ذاته فهو أمر لا يحاسبك الله عليه لأنه ليس بيدك بل بيد الله عز وجل، فهو يقول “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [الأنفال:63]، فلا يعقل أن يحاسبك الله على أمر ليس في إرادتك.

الموضوع الثالث، وهو الذي كثر عليه الجدل في الفترة السابقة، فهو عدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم عامة وبعيد الميلاد خاصة. هم يقولون “التسامح مع النصارى لا يعني أن أتنازل عن عقيدتي”. أولا أقول له: انتظر .. حتى لا يتحول هذا الكلام إلى حق يراد به باطل. ماذا في تهنئة المسيحي بعيد الميلاد مما يمس عقيدتك؟ بل ماذا في الحدث نفسه، ميلاد السيد المسيح – عليه السلام – مما يخالفها؟! أليس إيمانك بسيدنا المسيح عيسى وميلاده المعجز جزءا من عقيدتك؟! ألم يبشر الله عز وجل السيدة مريم بهذا الحدث الذي تستحرم أنت أن تهنئ أخاك المسيحي به، بل وذكره في كتابه الكريم في قوله تعالى: “إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” [آل عمران:45]. هل نسي الله عز وجل أن هذا الأمر مخالف لعقيدتنا حين ذكره في القرآن؟ حاشا لله. ثانيا: إن الله عز وجل يقول “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” [الممتحنة:8]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في عهده لنصارى نجران “لأني اعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين“. فالآية الكريمة تشمل جميع أشكال البر والقسط، وعهد النبي يضم جميع الحقوق والواجبات. والتهنئة بالعيد تنتمي لكل التصنيفات السابقة، ولا يستثنيها من ذلك إلا نص صريح من الكتاب أو السنة لا زلت أرجو أن يطلعني أحدهم عليه حتى أستريح، ولكن ما من مجيب!

النقطة الأخيرة، وهي توضح أن كثيرا ممن يردد هذا الكلام (ناس حافظة مش فاهمة!)، أن العيد الذي يخالف عقيدة المسلمين هو عيد القيامة وليس عيد الميلاد! فإخواننا المسيحيون يحتفلون فيه بقيامة السيد المسيح من بين الأموات بعد موته على الصليب. أما نحن فنؤمن بقول الله عز وجل “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ” [النساء:157]. ولكن هل تهنئتك لغير المسلم بعيد يخالف عقيدتك يعد تنازلا منك عن هذه العقيدة أو شكا فيها؟ إنك ترى حفل الزفاف وسرادق العزاء في نفس المنطقة وفي نفس اليوم، وترى الناس التي أدت واجب العزاء هي التي تحضر حفل الزفاف. بل إن صاحب الحفل ذاته قد يقوم أيضا بأداء واجب العزاء. فهل يعني هذا أن هؤلاء يشعرون بالفرح والحزن في نفس الوقت؟! كلا بل هم يشاركون هذا في فرحه، وذاك في حزنه. فأنت تهنئه على فرحته وليس على الحدث ذاته. ولكن الاختلاف حول هذه النقطة وارد ومقبول بعكس المرة السابقة، لأن استنباط الحكم هنا مبني على مقدمات صحيحة هي مخالفة الحدث لعقيدتنا، رغم اختلافنا حول صحة النتائج. قفد يريد البعض أن يأخذ بالأحوط بينما يرى البعض الآخر أن في الأمر سعة. المهم أن لا ينكر أحد منا على الآخر ما وصل إليه باجتهاده.

وفي ختام المقال، أرجو ممن يستطيع أن يصل بهذا المقال إلى المشايخ والعلماء الأفاضل أن يفعل. فقد يكون لدى أحدهم تصحيحا أو ردا أو توضيحا لأمر التبس عليّ فنستفيد جميعا. كما أعبر عن سعادتي عن كون هذا المقال أول مقال مستقل بذاته ليس له جزء ثانٍ، وأدعو الله عز وجل أن يديمها نعمة، وأن يحفظها من الزوال!

 

أحمد سعد

15 يناير 2012


[1] الدليل النقلي هو نص الكتاب والسنة

 
4 تعليقات

Posted by في 15 يناير 2012 in خواطر في الدين

 

الأوسمة: , , , , , , ,

عن التدين الزائف (2)


قبل أن نكمل حديثنا أحب أن أنبه إلى أمر هام يتعلق بالنوع الثالث الذي ذكرناه في المرة السابقة. فبعض تلك الصفحات لا يكتفي بإثارة الشبهات حول الإسلام بل يمتد الأمر إلى التطاول على الإسلام ومقدساته .. فكيف نسكت على ذلك؟!! والحقيقة أن الإجابة غاية في السهولة وتتمثل في آيتين من القرآن الكريم يقول الله (عز وجل) فيهما : “وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ” [النساء – 140] كما يقول “وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ” [الأنعام – 68]. فالله (عز وجل) يقول لنا تجاهلوهم.. ولم يقل “ردوا عليهم” ولا “حاربوهم” ولا “أغلقوا صفحاتهم”. وهذا يدل على عظمة ديننا واحترامه لحرية الرأي حتى عندما يتجاوز الآخرون هذه الحرية إلى التطاول والسب. ومما يؤكد هذا فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه .. فقد كان المشركون في مكة لا يتورعون عن سب النبي (صلى الله عليه وسلم) والافتراء عليه .. وحين كان الحجاج يأتون إلى مكة كانوا يبعثون إليهم ليصرفوهم عن الاستماع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) .. فماذا فعل النبي؟ هل أمر الصحابةَ بمهاجمة المشركين وتفريق مجالسهم وتكميم أفواههم؟ لقد مضى (صلى الله عليه وسلم) في دعوته غير مبال بهؤلاء .. فهل من مقتدٍ بالحبيب المصطفى؟

نعود إلى موضوع تلك الرسائل المستفزة!

من السمات الأساسية لتلك الرسائل – مثل أي عملية نصب – هي الوعود المبالغ فيها. فمثلا انتشر مؤخرا هذا الدعاء الذي إذا دعوت الله به يرفع عنك الفقر وعذاب القبر وتؤمن من الحاكم الظالم وسؤال الملكين والصراط والنار ويكون لك أجر 360 حجة و عتق 360 رقبة و 360 ختمة والتصدق بـ 360 دينار و……(مش ناقص غير يقوللك هتخش الجنة 360 مرة!)[1]. وكل هذا بغرض إسالة لعابك حتى لا تدقق في باقي الكلام ومدى صحته. السمة الأخرى هي أنك لن تجد أبدا مصدر الحديث (الراوي والسند) أو النص الذي يستند عليه في كلامه .. بل ربما تجد كلاما لا أول له ولا آخر على غرار “شخص يقسم أنه رأي في المنام كذا وكذا” أو أي عبارة مماثلة لا تقدم ولا تؤخر. وما يثير غيظي أنه في عصرنا هذا لا يوجد أسهل من التأكد من مصدر الحديث. وربنا يبارك لنا في موقع الدرر السنية الذي تكتب له أي جزء أو عبارة من الحديث فيظهر لك كل المواضع التي ذكرت فيها هذه العبارة في كل كتب الحديث المعروفة .. وليس هذا فحسب بل يظهر لك رأي العلماء في هذه الأحاديث ومدى صحتها. فلا يوجد عذر لأحد.

وفي اعتقادي أن هناك سببان رئيسيان لانتشار مثل هذه التفاهات بيننا. السبب الأول هو ثقافة التلقين التي تربينا عليها وبالذات في الأمور الدينية والتي أدت إلى ثقافة تقديس الأشخاص. لقد قال “الشيخ” كذا وكذا فلا تحاول أن تفكر أو تفهم .. لا تحاول أن تفرق بين ما قاله الله (عز وجل) أو الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين ما قاله “الشيخ” .. لا تحاول أن تميز بين رأي الدين في مسألة حياتية وبين رأي “الشيخ” .. كيف يمكنك أن تناقش أو تفكر أو تعترض ومن أنت حتى تناقش أو تفكر أو تعترض على كلام “الشيخ” .. وننسى جميعا أن هذا “الشيخ” بالتأكيد قال لنا يوما القاعدة الفقهية – العظيمة – “كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي (صلى الله عليه وسلم)”. ونتيجة لهذه الثقافة أصبحت الناس تلغي عقلها تلقائيا عند أي شبهة علاقة بين أمر ما وبين الدين فصار هناك نوع من التساهل لدى الناس في ما يتعلق بنشر المعلومات غير المؤكدة والإشاعات – حتى في الأمور غير الدينية – دون التحقق من مصدرها أو حتى التفكير في منطقيتها أو جدواها بدعوي (وانت هتخسر حاجة لما تنشرها؟). طبعا هنخسر. ألم نسمع حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- ” إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”[2] .. أليس نشر الرسائل التي تحتوي على أحاديث ضعيفة أو موضوعة يضعنا تحت طائلة هذا الحديث؟ أليس انشغالنا بإغلاق الصفحات المثيرة للشبهات أو المسيئة للإسلام يشغلنا عن ما هو أكثر أهمية ؟ أليس نشر الإشاعات التي لا أساس لها من الصحة أمرا خطيرا؟ يعلم من يقرأ التاريخ أن إشاعة أطلقتها المخابرات البريطانية في أواخر الحرب العالمية الثانية كانت السبب في أن أوقفت ألمانيا جبهتها في الاتحاد السوفيتي بعد أن كانوا على مسافة كيلومترات معدودة من موسكو وقرروا الانسحاب وهو الذي أدى إلى هزيمتهم في الحرب كلها في ما بعد.[3]

السبب الثاني هو ثقافة الاستسهال التي يلجأ إليها البعض بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي تمرّ بنا منذ زمن طويل .. عاوز شقة اتصل على رقم كذا وادخل السحب .. عاوز تتجوز تعال البرنامج الفلاني وجاوب على شوية أسئلة أو العب شوية ألعاب وهتكسب كذا مليون .. ليه تشتغل وتتعب ما دام ممكن تكسب وانت قاعد في البيت مرتاح؟ خليك زي فلان الفلاني اللي اشترى علبة جبنة فكسب عربية آخر موديل …. إلخ. وقد انتقلت هذه الثقافة إلى التدين .. يستمع الشخص طيلة النهار إلى الأغاني الهابطة ويسب ويلعن في خلق الله ويعق والديه ويهمل في صلاته ويكذب ويغش ويرتشي ويغتاب وينم ويطلق بصره على ما حرم الله ويرتكب كل المنكرات .. ثم قبل أن يدخل إلى سريره لينام يضغط على زر “Share” أو “Report” فيكسب ملايين الحسنات وينام قرير العين وهو يظن أنه قد انتصر للإسلام والمسلمين وأنه (داخل الجنة حدف!). إيه اللي خلى النبي والصحابة والتابعين يتعبوا أنفسهم في الصيام وقيام الليل حتى تتورم أقدامهم ويضحوا بأنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله ويفنوا أعمارهم من أجل نشر دعوة الله ما دام الموضوع كله بيخلص في ضغطة زر؟!! ألم يكن يكفيهم أن يدعوا الله (عز وجل) بأن يعجل باختراع الكمبيوتر ومواقع التواصل الاجتماعي ؟!!


[2] رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة

[3] راجع سلسلة حرب الجواسيس للدكتور نبيل فاروق

 
2 تعليقان

Posted by في 12 أكتوبر 2011 in خواطر في الدين

 

الأوسمة: , , , ,

عن التدين الزائف (1)


تستفزني كثيرا تلك الرسائل ذات الطابع الديني التي يتناقلها الكثير من الناس والتي ساعد التطور في وسائل التواصل الاجتماعي على انتشارها. غالبا ما تنتهي تلك الرسائل بـ “إذا لم تنشرها فاعلم أن الذي منعك هو (الشيطان / ذنوبك / أنك لا تستحق ثوابها)” إلى آخر هذا الهراء الذي لا هدف من وراءه سوى دفعك إلى التغاضي عن ما تحتويه من نصوص غير موثقة أو ربما هي من وحي خيال مؤلف تلك الرسائل.

هذا الأمر ليس جديدا أو مستحدثا .. فمنذ (وعيت) على الدنيا وأنا أسمع عن رسالة عم أحمد حامل مفاتيح الحرم المدني (حسب أغلب الروايات) والتي يقول فيها أنه كان جالسا في الحرم (في ساعة صفا) وغلبه النعاس فرأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام وقال له كلاما كثيرا خلاصته أنه غير راضٍ على حال الأمة وطلب منه أن يبلغ هذه الرسالة للأمة (قال يعني الناس مش عارفة) وإنه اللي يبلغ الرسالة دي لثلاثين شخص ربنا هيكرمه آخر كرم في خلال 40 يوم .. وإن اللي يهملها أو يقطعها هيتخرب بيته في خلال 40 يوم برضه (دي العملية مش هزار بقى!!). والحقيقة أني لم أسمع عن شيخ من كبار المشايخ من التيار السلفي بالذات لم يخصص جزءا من وقته للرد على هذا الهراء .. وخلاصة الكلام أن أمر الله أو الرسول (صلى الله عليه وسلم) لك في المنام هو ملزم لك وحدك دون سواك .. بالإضافة إلى أن الصلاة – وهي أفضل العبادات – لم يربطها الله بمنفعة أو ضرر عاجلين .. فلم يعِد الله مثلا من يترك الصلاة أسبوعا متواصلا أن تنقلب به السيارة ولا من يحفظ 5 أجزاء من القرآن إنه (هيلاقي تحت البلاطة 500 جنيه) .. فما بالك برسالة مشكوك في أمرها؟؟!! فالمسلم لا ينتظر جزاءا على عمله إلا في الآخرة .. والعقوبتان الوحيدتان المعجلتان في الدنيا – حسب ما ورد في السنة – هما الظلم وعقوق الوالدين[1].

وهناك نوع آخر من تلك الرسائل .. تجد رسالة طويلة عريضة وفي آخرها الجملة التالية: “هل تعلم أنك عندما قرأت هذه الرسالة حصلت أنا على 548678423 حسنة .. لو عايز تكسب 548678423 حسنة إنت كمان انشرها!!!”. شوف الدقة!!! ومن أدراك يا أبو العريف إنك حصلت على 548678423 حسنة واللا حتى حسنة واحدة .. أليس من الممكن أن يكون عملك هذا قد شابه الرياء أو العجب فصار هباء منثورا؟!! هو انت كنت بتعد على ملك الحسنات؟!!

أما النوع الثالث من تلك الرسائل هو الذي يذكر صفحة أو موقعا يقوم بإثارة الشبهات حول الإسلام .. ثم يطلب من الناس أن يدخلوا إلى الصفحة ويقوموا بالإبلاغ عنها أنها تسيء للأديان حتى يتم إغلاقها. والواقع أن هذا أسوأ ما يمكن فعله وفيه عدة أخطاء فادحة. الخطأ الأول أنك – دون أن تدري – تروج لتلك الشبهات والأفكار الخاطئة بنشرك لتلك الصفحات .. فقد تقع في يد من إيمانه ضعيف أو علمه قليل دون أن يرى منك ردا على هذه الشبهات فينبعث الشك في قلبه. والخطأ الثاني – وهو أخطر – أنك لم تفعل شيئا! فما أسهل أن يفتح بدل الصفحة التي تم إغلاقها مائة آخرين ويكرر فيهم نفس الشبهات والأفكار المسمومة التي لم يكلف أحد نفسه بالرد عليها. أما الخطأ الثالث – وهو الأخطر – أنك بهذا تعلن فشلك فكريا. الكلمة تحارب بالكلمة والقوة لا تردعها إلا القوة. أما إذا استخدمت القوة في قمع الحوار فأنت بهذا تعترف أنك لا تستطيع الرد وأنك هُزِمت على مستوى الحوار ولو أنك بحثت قليلا لوجدت أن كثيرا من العلماء الأجلاء قد ردوا على كل تلك الشبهات وكان الأفضل أن تنشر هذه الردود ليصمت هؤلاء للأبد بدلا من أن نضع أنفسنا – للأسف – في موضع المستبد الذي يريد أن يخرس معارضيه[2]. الخلاصة أنك إذا نظرت للموقف بصورة محايدة أو من وجهة نظر من لا يعرف شيئا عن الإسلام فستجد أن موقفنا سيكون في غاية السوء لو استمر الأمر على هذا الحال.

وللحديث بقية …

أحمد سعد

9 أكتوبر 2011


[1] “بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا : البغي ، و العقوق” رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك

[2] لمن أراد مزيدا من التفاصيل في هذه النقطة بالذات فعليه الرجوع إلى الحلقة العاشرة من برنامج قصص القرآن 2 للأستاذ عمرو خالد.

 
9 تعليقات

Posted by في 9 أكتوبر 2011 in خواطر في الدين

 

الأوسمة: , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: