RSS

التطور في ميزان العقل والدين (2/3)

28 يوليو

تعرفنا في المرة السابقة على نظرية التطور كما صاغها داروين، ووضحنا الفارق بين ثلاثة أمور؛ النظرية نفسها، والمقدمات التي بنيت عليها النظرية، ومحاولة استخدام النظرية لتفسير نشأة الخلق دون خالق. ووضحنا أن الخلط بين هذه الأمور يسبب مشاكل في الفهم سواء لمن يؤيد النظرية أو يعارضها. واليوم نبدأ في التعرف على نقاط ضعف النظرية نفسها.

هناك فصل كامل في كتاب داروين يسمى “صعوبات النظرية Difficulties of the Theory” يتحدث فيه داروين عن العوائق التي تقف في طريق النظرية وإثبات صحتها ويضع أملا كبيرا على أن تثبت الاكتشافات العلمية المستقبلية صحة النظرية. ولكن بعد البحث في النظرية نجد أن هناك عدة تساؤلات رئيسية لم تستطع النظرية أن تجيب عليهم، وهذه التساؤلات تشكل نقاط الضعف الرئيسية فيها.

النقطة الأولى هي وسيلة التطور، وهي تتمثل في الإجابة عن سؤال “كيف يحدث التطور؟”. طبقا لما قاله داروين وكما هو واضح من عنوان كتابه أن التطور – في رأيه – يحدث من خلال الانتخاب الطبيعي Natural Selection وهو يعني أن الكائنات الأقوى ذات الصفات الأكثر تناسبا مع الظروف التي تعيش فيها هي التي ستربح الصراع من أجل البقاء. فمثلا لو أن لدينا قطيعا من الغزلان تهاجمه الأسود باستمرار فإن الغزلان الأكثر سرعة هي التي ستبقى على قيد الحياة، وهذا يعني أن القطيع سيتكون بعد انتهاء الهجوم من الغزلان الأكثر سرعة فقط. المشكلة أن هذا لن يدفع الغزلان أن تنقل صفات معينة للأجيال القادمة أو أن تتطور إلى كائنات أخرى كالحصان مثلا، فالانتخاب الطبيعي ليس ميكانيزما للتطور في حد ذاته، وهو ما اعترف به داروين نفسه في كتابه حيث قال:

 … and natural selection can do nothing until favourable variations chance to occur …

وهو ما معناه أن الانتخاب الطبيعي لن يفعل شيئا بمفرده حتى تحدث بعض الاختلافات المرغوب فيها. إذن علينا الآن أن نبحث عن هذه الاختلافات المرغوب فيها. في ذلك الحين لم يكن العلم بالتطور الذي وصلنا إليه الآن، وكان كثير من الخرافات منتشرا حتى بين العلماء، فكان علماء الأحياء أمثال الفرنسي لامارك Lamarck يؤمنون أن الكائنات تنقل بعض الصفات التي اكتسبتها في حياتها إلى الأجيال التالية، فمثلا كانوا يعتقدون أن الزرافة كانت في الأصل ظبيا (اللي هو في الصورة للي مش عارفه!) وكانت تجاهد كي تأكل من أغصان الأشجار العالية فطالت رقبتها جيلا بعد جيل حتى صارت زرافة! كما ذكر داروين في كتابه أن الدببة التي كانت تذهب إلى الماء بحثا عن الطعام يمكن أن تكون قد تحولت إلى حيتان بمرور الزمن! انتهي كل ذلك بالطبع باكتشاف العالم ميندل Mendel الملقب بأبو علم الجينات لقوانين الوراثة ومنها أن هناك نوعين من الصفات، صفات موروثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق الجينات مثل لون العينين وملامح الوجه والطول ولون البشرة والأمراض الوراثية … إلخ. وهناك صفات مكتسبة يكتسبها الكائن الحي خلال فترة حياته وهي لا تورث. فمثلا، الشخص الذي يمارس الرياضة، لن ينجب أطفالا لهم عضلات أقوى من غيرهم! كما أن الذي فقد بصره في حياته لن ينجب أطفالا فاقدي البصر، إلا إذا كان فقدانه لبصره نتيجة لمرض وراثي، قكل هذه صفات مكتسبة لا تورث.

لكن العلماء المؤمنين بالنظرية لم ييأسوا، وتوصلوا إلى ما يعرف باسم Modern Evolutionary Synthesis وهو النموذج الحالي من النظرية، وقدموا وسيلة مساعدة جديدة للانتخاب الطبيعي ألا وهي التحور الجيني Genetic Mutation إما بصورة طبيعية أو نتيجة إشعاع أو خطأ عشوائي في نسخ الحمض النووي لحظة انقسام الخلية. فهم يقولون أن الكائنات الحية المختلفة الموجودة اليوم هي نتيجة التعرض لطفرات جينية صغيرة وعديدة على مدار السنين. هناك بعض الحقائق العلمية التي تعارض هذه النظرية. أولا، أن الطفرات أو التحورات الجينية أمر نادر الحدوث. ثانيا، هناك قاعدة منطقية تقول بأن أي تغيير عشوائي في نظام عالي التنظيم يكون دائما للأسوأ. فمثلا عندما يضرب الزلزال أحد المباني فإنه سيؤدي إلى تغيير عشوائي في هيكل المبنى، وهذا التغيير هو قطعا للأسوأ. لذلك فلم يوجد حتى الآن في تاريخ العلم مثال واحد على تحور جيني أدى إلى تطور في وظائف الكائن الحي، بل هو دوما سبب في إعاقته. وأقوى مثال على أضرار التحور الجيني هو السرطان. نخلص من كل هذا أن غياب وسيلة فعالة ومؤثرة لحدوث التطور هو أول نقطة ضعف في النظرية.

النقطة الثانية، هي أن عملية التطور عملية بطيئة للغاية، وتستغرق آلاف بل ملايين السنين كي تكتمل، وطيلة هذه السنين تكون الكائنات المتطورة في مرحلة انتقالية فتكون أعضائها/صفاتها الجديدة غير مكتملة وتكون أعضائها/صفاتها القديمة لم تختف بعد بشكل كامل، بمعنى أنه في أغلب فترات هذه المرحلة الانتقالية تكون هذه الكائنات معاقة. فمثلا الأسماك التي تحولت إلى زواحف كانت في مرحلة ما لديها بعض صفات الزواحف وبعض صفات الأسماك وكلاهما غير مكتمل، ونفس الشيء ينطبق على الزواحف التي تحولت إلى طيور … إلخ. السؤال إذن، لماذا لا نرى حولنا كائنات كثيرة في مراحل انتقالية؟! هل يعقل أن كل الكائنات قد تطورت ووصلت إلى مرحلة الكمال فلم تعد تحتاج إلى التطور للتكيف مع ظروف البيئة المتغيرة؟! وإن كان هذا صحيحا، فلا بد أن هناك ملايين الكائنات التي عاشت في الماضي في مراحلها الانتقالية، ولا بد من وجود حفريات لهذه الكائنات أيضا. فلماذا لا نرى في السجلات الحفرية Fossil Records حفريات لحيوانات في مراحلها الانتقالية؟! وهو ما قاله داروين:

… Hence we ought not to expect at the present time to meet with numerous transitional varieties in each region, though they must have existed there, and may be embedded there in a fossil condition …

أي أنه على الرغم من أننا لا نرى أمثلة عديدة على كائنات في مراحلها الانتقالية إلا أنها لا بد أن كانت موجودة في الماضي، ولا بد من وجود حفريات لها. وأكد داروين على أنه مع تطور العلم والبحث في السجلات الحفرية فسيتم العثور على هذه الحفريات. ورغم كل الجهد المبذول عبر 150 سنة حتى الآن لم يستطع المسكتشفون العثور على أي من هذه الحفريات (اللي المفترض تكون كثيرة جدا). بل على النقيض، فإن كل الحفريات المكتشفة تؤكد أن الكائنات الحية التي نراها اليوم إنما وجدت فجأة وعلى صورتها الحالية منذ بداية الأمر.

وللحديث بقية بإذن الله.

 

أحمد سعد

28 يوليو 2015

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 28 يوليو 2015 in خواطر في الدين

 

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: