RSS

Monthly Archives: يوليو 2015

التطور في ميزان العقل والدين (2/3)


تعرفنا في المرة السابقة على نظرية التطور كما صاغها داروين، ووضحنا الفارق بين ثلاثة أمور؛ النظرية نفسها، والمقدمات التي بنيت عليها النظرية، ومحاولة استخدام النظرية لتفسير نشأة الخلق دون خالق. ووضحنا أن الخلط بين هذه الأمور يسبب مشاكل في الفهم سواء لمن يؤيد النظرية أو يعارضها. واليوم نبدأ في التعرف على نقاط ضعف النظرية نفسها.

هناك فصل كامل في كتاب داروين يسمى “صعوبات النظرية Difficulties of the Theory” يتحدث فيه داروين عن العوائق التي تقف في طريق النظرية وإثبات صحتها ويضع أملا كبيرا على أن تثبت الاكتشافات العلمية المستقبلية صحة النظرية. ولكن بعد البحث في النظرية نجد أن هناك عدة تساؤلات رئيسية لم تستطع النظرية أن تجيب عليهم، وهذه التساؤلات تشكل نقاط الضعف الرئيسية فيها.

النقطة الأولى هي وسيلة التطور، وهي تتمثل في الإجابة عن سؤال “كيف يحدث التطور؟”. طبقا لما قاله داروين وكما هو واضح من عنوان كتابه أن التطور – في رأيه – يحدث من خلال الانتخاب الطبيعي Natural Selection وهو يعني أن الكائنات الأقوى ذات الصفات الأكثر تناسبا مع الظروف التي تعيش فيها هي التي ستربح الصراع من أجل البقاء. فمثلا لو أن لدينا قطيعا من الغزلان تهاجمه الأسود باستمرار فإن الغزلان الأكثر سرعة هي التي ستبقى على قيد الحياة، وهذا يعني أن القطيع سيتكون بعد انتهاء الهجوم من الغزلان الأكثر سرعة فقط. المشكلة أن هذا لن يدفع الغزلان أن تنقل صفات معينة للأجيال القادمة أو أن تتطور إلى كائنات أخرى كالحصان مثلا، فالانتخاب الطبيعي ليس ميكانيزما للتطور في حد ذاته، وهو ما اعترف به داروين نفسه في كتابه حيث قال:

 … and natural selection can do nothing until favourable variations chance to occur …

وهو ما معناه أن الانتخاب الطبيعي لن يفعل شيئا بمفرده حتى تحدث بعض الاختلافات المرغوب فيها. إذن علينا الآن أن نبحث عن هذه الاختلافات المرغوب فيها. في ذلك الحين لم يكن العلم بالتطور الذي وصلنا إليه الآن، وكان كثير من الخرافات منتشرا حتى بين العلماء، فكان علماء الأحياء أمثال الفرنسي لامارك Lamarck يؤمنون أن الكائنات تنقل بعض الصفات التي اكتسبتها في حياتها إلى الأجيال التالية، فمثلا كانوا يعتقدون أن الزرافة كانت في الأصل ظبيا (اللي هو في الصورة للي مش عارفه!) وكانت تجاهد كي تأكل من أغصان الأشجار العالية فطالت رقبتها جيلا بعد جيل حتى صارت زرافة! كما ذكر داروين في كتابه أن الدببة التي كانت تذهب إلى الماء بحثا عن الطعام يمكن أن تكون قد تحولت إلى حيتان بمرور الزمن! انتهي كل ذلك بالطبع باكتشاف العالم ميندل Mendel الملقب بأبو علم الجينات لقوانين الوراثة ومنها أن هناك نوعين من الصفات، صفات موروثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق الجينات مثل لون العينين وملامح الوجه والطول ولون البشرة والأمراض الوراثية … إلخ. وهناك صفات مكتسبة يكتسبها الكائن الحي خلال فترة حياته وهي لا تورث. فمثلا، الشخص الذي يمارس الرياضة، لن ينجب أطفالا لهم عضلات أقوى من غيرهم! كما أن الذي فقد بصره في حياته لن ينجب أطفالا فاقدي البصر، إلا إذا كان فقدانه لبصره نتيجة لمرض وراثي، قكل هذه صفات مكتسبة لا تورث.

لكن العلماء المؤمنين بالنظرية لم ييأسوا، وتوصلوا إلى ما يعرف باسم Modern Evolutionary Synthesis وهو النموذج الحالي من النظرية، وقدموا وسيلة مساعدة جديدة للانتخاب الطبيعي ألا وهي التحور الجيني Genetic Mutation إما بصورة طبيعية أو نتيجة إشعاع أو خطأ عشوائي في نسخ الحمض النووي لحظة انقسام الخلية. فهم يقولون أن الكائنات الحية المختلفة الموجودة اليوم هي نتيجة التعرض لطفرات جينية صغيرة وعديدة على مدار السنين. هناك بعض الحقائق العلمية التي تعارض هذه النظرية. أولا، أن الطفرات أو التحورات الجينية أمر نادر الحدوث. ثانيا، هناك قاعدة منطقية تقول بأن أي تغيير عشوائي في نظام عالي التنظيم يكون دائما للأسوأ. فمثلا عندما يضرب الزلزال أحد المباني فإنه سيؤدي إلى تغيير عشوائي في هيكل المبنى، وهذا التغيير هو قطعا للأسوأ. لذلك فلم يوجد حتى الآن في تاريخ العلم مثال واحد على تحور جيني أدى إلى تطور في وظائف الكائن الحي، بل هو دوما سبب في إعاقته. وأقوى مثال على أضرار التحور الجيني هو السرطان. نخلص من كل هذا أن غياب وسيلة فعالة ومؤثرة لحدوث التطور هو أول نقطة ضعف في النظرية.

النقطة الثانية، هي أن عملية التطور عملية بطيئة للغاية، وتستغرق آلاف بل ملايين السنين كي تكتمل، وطيلة هذه السنين تكون الكائنات المتطورة في مرحلة انتقالية فتكون أعضائها/صفاتها الجديدة غير مكتملة وتكون أعضائها/صفاتها القديمة لم تختف بعد بشكل كامل، بمعنى أنه في أغلب فترات هذه المرحلة الانتقالية تكون هذه الكائنات معاقة. فمثلا الأسماك التي تحولت إلى زواحف كانت في مرحلة ما لديها بعض صفات الزواحف وبعض صفات الأسماك وكلاهما غير مكتمل، ونفس الشيء ينطبق على الزواحف التي تحولت إلى طيور … إلخ. السؤال إذن، لماذا لا نرى حولنا كائنات كثيرة في مراحل انتقالية؟! هل يعقل أن كل الكائنات قد تطورت ووصلت إلى مرحلة الكمال فلم تعد تحتاج إلى التطور للتكيف مع ظروف البيئة المتغيرة؟! وإن كان هذا صحيحا، فلا بد أن هناك ملايين الكائنات التي عاشت في الماضي في مراحلها الانتقالية، ولا بد من وجود حفريات لهذه الكائنات أيضا. فلماذا لا نرى في السجلات الحفرية Fossil Records حفريات لحيوانات في مراحلها الانتقالية؟! وهو ما قاله داروين:

… Hence we ought not to expect at the present time to meet with numerous transitional varieties in each region, though they must have existed there, and may be embedded there in a fossil condition …

أي أنه على الرغم من أننا لا نرى أمثلة عديدة على كائنات في مراحلها الانتقالية إلا أنها لا بد أن كانت موجودة في الماضي، ولا بد من وجود حفريات لها. وأكد داروين على أنه مع تطور العلم والبحث في السجلات الحفرية فسيتم العثور على هذه الحفريات. ورغم كل الجهد المبذول عبر 150 سنة حتى الآن لم يستطع المسكتشفون العثور على أي من هذه الحفريات (اللي المفترض تكون كثيرة جدا). بل على النقيض، فإن كل الحفريات المكتشفة تؤكد أن الكائنات الحية التي نراها اليوم إنما وجدت فجأة وعلى صورتها الحالية منذ بداية الأمر.

وللحديث بقية بإذن الله.

 

أحمد سعد

28 يوليو 2015

 
أضف تعليق

Posted by في 28 يوليو 2015 in خواطر في الدين

 

نظرية التطور في ميزان العقل والدين (1/3)


ترددت كثيرا في نشر هذه السلسلة القصيرة من المقالات، رغم إنتهائي من إعدادها منذ أكثر من عامين، حيث أن انشغال الجو العام بالأوضاع السياسية جعلني أشعر أن الوقت غير مناسب لنشرها وأن الناس ليست على استعداد لتناول موضوعات تمس الفكر في الفترة الحالية. ولكنني اكتشفت أني كلما انتظرت يزداد الوضع سوءا وتطرأ على الساحة أحداث جديدة، فقررت أن أتوكل على الله وأبدأ بنشرها ونسأل الله عز وجل أن يفتح لها صدور الناس وأن ينفع كاتبها وقراءها بما فيها. وطبعا لا يفوتني في مثل هذه المناسبات أن أؤكد على حقيقة أنني لست عالما في علم الأحياء أو الجينات، ولست كذلك فقيها في الدين. وكل ما أكتبه هنا هو مجرد خواطر تأتيني بناء على قراءاتي المحدودة وخبرتي الضئيلة في الحياة. وأرجو ممن يقرأ كلامي ألا يأخذه كحقيقة مسلّم بها وأن يبحث ورائه ما استطاع، وممن يكتشف خطأ قمت به أن يبادر بتصحيحي. وكل المراجع المستخدمة في هذه السلسلة سأذكرها بإذن الله إما في حينها أو في المقال الأخير منها. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل.

أتحداك إن مشيت في الشارع وسألت الناس “من هو داروين؟” فإن الذين سيستطيعون الأجابة (وهم قليلون) ستكون إجابة أغلبهم “مش ده اللي قال إن الإنسان أصله قرد؟!”. يعلم من قرأ واطلع جيدا أن داروين لم يقل هذا أصلا لكن السطحية و”ثقافة الكلمات المتقاطعة” على حد تعبير د. أحمد خالد توفيق هي أمراض متأصلة عندنا. نظرية التطور هي أقوى النظريات التي تحاول تفسير نشأة الحياة وكيف وصلت الكائنات الحية إلى صورها الحالية، وقد ساهم فيها عشرات العلماء على مدار السنين، وهي من أكثر النظريات التي أحيطت بضجة إعلامية منذ بداية ظهورها وحتى الآن بعد مرور قرن ونصف قرن من الزمان. يتعامل معها أكثر المؤيدين لها على أنها حقيقة مسلّم بها وليست مجرد نظرية، وعلى الجانب الآخر فإن أغلب الرافضين لها يرفضونها لأنها في رأيهم تعارض الدين فحسب وليس لأي سبب علمي. فدعونا نخلع عنا كل هذه الآراء والتحيزات المسبقة ونرى ما تقوله النظرية ذاتها.

في عام 1859 نشر عالم التاريخ الطبيعي الإنجليزي تشارلز داروين Charles Darwin كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي On The Origin Of Species By Means Of Natural Selection” والذي أعلن فيه عن نظريته التي تقول أن جميع الكائنات الحية لها أصل مشترك، وأن هذا الأصل المشترك / الخلية الأصلية / الخلية الأم مر بالعديد من التطورات والتغيرات التدريجية عبر بلايين السنين حتى وصلنا في النهاية إلى الكائنات الحية في صورها الحالية. تكون الكائنات المتطورة أكثر تعقيدا وأفضل موائمة للظروف عن سابقتها ويتم ذلك عن طريق ما يسمى بالانتخاب الطبيعي. مصطلح التطور في حد ذاته يعني التغير في الصفات الموروثة للكائنات الحية عبر الأجيال.

قبل أن نستكمل حديثنا، دعونا نفرق بين ثلاثة أمور يؤدي الخلط بينها إلى مشاكل عديدة، وهذه الأمور هي المبدأ الذي بنيت عليه نظرية التطور، ونظرية التطور نفسها، ومحاولة استخدام النظرية كبديل عن الخلق.
أولا: المبدأ أو المقدمة التي بنيت عليها النظرية وهي أن الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بينها تشابهات رئيسية. هذا المبدأ هو حقيقة علمية لا شك فيها وهناك أدلة كثيرة على صحته وهو “يرجح” أن كل هذه الكائنات لها أصل واحد، وهذا لا يتعارض مع الإسلام أو أي دين سماوي آخر في شيء لأن الإسلام يؤمن بأن وحدة الخلق تدل على وحدة الخالق.
ثانيا: النظرية في حد ذاتها – كما شرحناها في الفقرة السابقة – لا تعارض الدين في شيء، فنحن نؤمن بأن الله – عز وجل – خلق كل شيء، وسواء أكان هذا خلقا مباشرا لكل كائن بشكل منفصل أم خلق الخلية الأم وجعلها تتطور لتنتج منها الكائنات التي نعرفها اليوم فهو خلق في كل الأحوال.
ثالثا: الادعاء أن النظرية تقدم بديلا عن الخلق وتنفي الحاجة لوجود الخالق، وأن التطور عملية عشوائية لا تدخل للإله فيها، وهذا هو ما يتعارض مع الدين.

أخيرا، نظرية التطور هي مجرد نظرية قد تكون صحيحة وقد تكون خطأ. صحيح أنها مبنية على مقدمات سليمة، لكن النتائج المستنتجة من هذه المقدمات لا يشترط أن تكون صحيحة. وهذا ما سنحاول استكشافه في بقية هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

 

أحمد سعد

22 يوليو 2015

 
 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: