RSS

وتحسبونه هينا!

28 سبتمبر

يقول الله تعالى: “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم” [النور: 15]. جاءت هذه الآية الكريمة في معرض الحديث عن حادثة الإفك. وحادثة الإفك، لمن لا يعلم، كانت عندما أطلق المنافقون في المدينة إشاعة عن أم المؤمنين السيدة عائشة – رضي الله عنها – يتهمونها في شرفها. المهم أن الله عز وجل في هذه الآية ينتقد سلوك المسلمين وانتشار الخبر والإشاعة بينهم، ويحدثنا الله عز وجل أن الناس عندما تنشر الإشاعات وتنقل الأخبار والمعلومات فإنها تقع في أمرين خطيرين.

يقول الله عز وجل: “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ”. وهنا يعجب القارئ، كيف يتلقى الإنسان الخبر بلسانه؟! أليست أداة التلقي هي الأذن؟! ألا يسمع الإنسان الخبر بإذنه ثم ينتقل إلى عقله ليقوم بتحليل الخبر، ثم يحتفظ به في ذاكرته، فإن أراد نقله استدعاه من ذاكرته إلى عقله ثم إلى لسانه؟! فاللسان آخر مرحلة في نقل الخبر، ولا علاقة له بالتلقي. هذه هي الحالة الطبيعية. لكن الله عز وجل يصور لنا – بطريقة رائعة – سرعة الناس واستعجالها في نقل الكلام والأخبار كأنهم استقبلوا الخبر بألسنتهم فنلقوه بألسنتهم كذلك! فكأنه لم يمر بهذه المراحل كلها، فلم يمر على عقولهم، ولم يفكروا في منطقيته ولا في مدى مصداقية مصدره ولا شيء من هذا القبيل!

الأمر الثاني الذي يقع فيه الناس يصفه الله بقوله: “وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ”. فمن ينشر الخبر والإشاعة لم يكن هناك ولم ير شيئا، وإنما ينقلها عن شخص ثان، هذا الشخص كذلك ينقل عن شخص ثالث، وذلك ينقل عن رابع، وهكذا! دائرة شيطانية لا تنتهي من الناس الذين ينقلون عن غيرهم ممن يدعون أنهم شهود عيان، أو مصادر موثوقة (واخد بالك انت؟!). الآية كذلك تحمل معنى آخر، وهو أن الناس حين تنقل المعلومات والأخبار فهي تتكلم في أمور ليس لهم بها علم ولا خبرة، وكثير منهم لا يفهم ما ينقله، ومع ذلك فهو يستخدم هذا الكلام كي يبني عليه آراء وتحليلات وأحكام! ومثال على ذلك ما ذكرناه في مقال سابق عن موضوع تجسس الجهات الأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن كثيرا من الناس التي تتكلم في هذا الأمر ليس لديهم فهم صحيح لطريقة انتقال المعلومات على الإنترنت.

هذا السلوك الذي يتساهل فيه الإنسان، سببه شهوة لديه في أن يظهر بين الناس بمظهر “العليم ببواطن الأمور”، وأن يكون دوما صاحب الأخبار الجديدة والتحليلات العميقة والخبرة بكل شيء، وهو أمر غير منطقي! وشهوة أخرى هي شهوة أن يكون دوما على حق، وهي تدفعه إلى أن يفحم من أمامه بشعار من الشعارات المحفوظة حين يدخل معه في جدال أو نقاش. وهما كأي شهوة، لو تركت لها العنان فسوف تدمرك في الدنيا، وتصب عليك غضب الله وسخطه في الآخرة. لاحظ كيف يختم الله الآية الكريمة بقوله: “وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم”. فمن أجل ألا نقع تحت طائلة هذه الآية وجب علينا التدقيق في ما ننقله من أخبار ومعلومات، وما نردده من عبارات وشعارات.

نسأل الله التوفيق والسداد

 

أحمد سعد

28 سبتمبر 2013

Advertisements
 
 

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: