RSS

Monthly Archives: سبتمبر 2013

وتحسبونه هينا!


يقول الله تعالى: “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم” [النور: 15]. جاءت هذه الآية الكريمة في معرض الحديث عن حادثة الإفك. وحادثة الإفك، لمن لا يعلم، كانت عندما أطلق المنافقون في المدينة إشاعة عن أم المؤمنين السيدة عائشة – رضي الله عنها – يتهمونها في شرفها. المهم أن الله عز وجل في هذه الآية ينتقد سلوك المسلمين وانتشار الخبر والإشاعة بينهم، ويحدثنا الله عز وجل أن الناس عندما تنشر الإشاعات وتنقل الأخبار والمعلومات فإنها تقع في أمرين خطيرين.

يقول الله عز وجل: “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ”. وهنا يعجب القارئ، كيف يتلقى الإنسان الخبر بلسانه؟! أليست أداة التلقي هي الأذن؟! ألا يسمع الإنسان الخبر بإذنه ثم ينتقل إلى عقله ليقوم بتحليل الخبر، ثم يحتفظ به في ذاكرته، فإن أراد نقله استدعاه من ذاكرته إلى عقله ثم إلى لسانه؟! فاللسان آخر مرحلة في نقل الخبر، ولا علاقة له بالتلقي. هذه هي الحالة الطبيعية. لكن الله عز وجل يصور لنا – بطريقة رائعة – سرعة الناس واستعجالها في نقل الكلام والأخبار كأنهم استقبلوا الخبر بألسنتهم فنلقوه بألسنتهم كذلك! فكأنه لم يمر بهذه المراحل كلها، فلم يمر على عقولهم، ولم يفكروا في منطقيته ولا في مدى مصداقية مصدره ولا شيء من هذا القبيل!

الأمر الثاني الذي يقع فيه الناس يصفه الله بقوله: “وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ”. فمن ينشر الخبر والإشاعة لم يكن هناك ولم ير شيئا، وإنما ينقلها عن شخص ثان، هذا الشخص كذلك ينقل عن شخص ثالث، وذلك ينقل عن رابع، وهكذا! دائرة شيطانية لا تنتهي من الناس الذين ينقلون عن غيرهم ممن يدعون أنهم شهود عيان، أو مصادر موثوقة (واخد بالك انت؟!). الآية كذلك تحمل معنى آخر، وهو أن الناس حين تنقل المعلومات والأخبار فهي تتكلم في أمور ليس لهم بها علم ولا خبرة، وكثير منهم لا يفهم ما ينقله، ومع ذلك فهو يستخدم هذا الكلام كي يبني عليه آراء وتحليلات وأحكام! ومثال على ذلك ما ذكرناه في مقال سابق عن موضوع تجسس الجهات الأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن كثيرا من الناس التي تتكلم في هذا الأمر ليس لديهم فهم صحيح لطريقة انتقال المعلومات على الإنترنت.

هذا السلوك الذي يتساهل فيه الإنسان، سببه شهوة لديه في أن يظهر بين الناس بمظهر “العليم ببواطن الأمور”، وأن يكون دوما صاحب الأخبار الجديدة والتحليلات العميقة والخبرة بكل شيء، وهو أمر غير منطقي! وشهوة أخرى هي شهوة أن يكون دوما على حق، وهي تدفعه إلى أن يفحم من أمامه بشعار من الشعارات المحفوظة حين يدخل معه في جدال أو نقاش. وهما كأي شهوة، لو تركت لها العنان فسوف تدمرك في الدنيا، وتصب عليك غضب الله وسخطه في الآخرة. لاحظ كيف يختم الله الآية الكريمة بقوله: “وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم”. فمن أجل ألا نقع تحت طائلة هذه الآية وجب علينا التدقيق في ما ننقله من أخبار ومعلومات، وما نردده من عبارات وشعارات.

نسأل الله التوفيق والسداد

 

أحمد سعد

28 سبتمبر 2013

 
 

لماذا قامت الثورة؟!


لماذا قامت الثورة؟! سؤال لا بد أن يسأله كل منا لنفسه بعد مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على قيام الثورة، لأن إجابتنا على هذه السؤال ستمكننا من إعادة تقييم الأحداث الجارية بصورة أفضل، وتحديد ما إذا كانت أفعالنا ومواقفنا الحالية تتفق مع المبادئ التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير أم لا وتصب في كفة إنجاحها أم إفشالها، وستساعدنا على التخلص من الكثير من الخرافات التي نرددها دون أن نعي معناها. فدعونا نتذكر سويا، بدل ما حد يتحجج إنه كان نايم واللا في الحمام ساعتها!

لماذا قامت الثورة؟! أو بعبارة أخرى، ما هي الأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها؟! الإجابة تتلخص في العبارة التي كانت شعارا للثورة منذ قيامها، وهي “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”. أن تتحقق للإنسان المصري مقومات الحياة الكريمة من طعام وملبس ومسكن وغيره، ليس تفضلا ولا تكرما من أحد عليه، وليس حلما يجاهد طيلة حياته من أجل تحقيقه بل هو حق أساسي من حقوقه. أن يعود للإنسان المصري حقه في أن يضع من يشاء في موضع المسئولية، وأن يكون له القول في ما يخص مصيره ومستقبله. أن تحفظ للإنسان المصري كرامته، وألا تمتهن من أي طرف سواء كان هذا الطرف داخليا أم خارجيا. أن تتحقق عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص وأن تكون الكفائة وحدها هي أساس الاختيار. من أجل كل ذلك قامت الثورة، ولا أعتقد أن أحدا، حتى من عارضوا الثورة، يختلف حول هذه المطالب وكونها مشروعة.

وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني، وهو يختلف تماما عن السؤال السابق: لماذا قامت الثورة؟!! بمعنى أن الثورة حالة استثنائية تتضمن تعطيل أحوال البلد ومصالحه لفترة لا يعلم مداها إلا الله، ومخاطرة الناس بحياتهم في مواجهة قوة النظام الغاشمة، فلماذا الثورة دون غيرها من وسائل التغيير؟! طبعا إجابة هذا السؤال تتلخص في المثل الشعبي القائل: “قال إيه اللي رماك على المُر، قال اللي أمرّ منه!”. فالسنوات الطوال التي جثم فيها النظام القمعي المستبد على نفوس الشعب دون أن يتغير فيه سوى الوجوه كل بضعة أعوام، أقنعت الإصلاحيين بأنه لن يتم إصلاح إلا بتغيير النظام السياسي، وأن الانشغال بالعمل العام والاقتناع بفكرة أن الإصلاح يكون من الأسفل (فقط) هي دروشة لا تصب إلا في مصلحة النظام المستبد! حاول هؤلاء الانخراط في العمل السياسي، لكن النظام المستبد لا يرغب في أن يغادر مكانه، ولن يقبل أبدا بعد أن ذاق طعم السلطة والقوة أن يتخلى عنها بسهولة. لذلك كانت الانتخابات إما صورية أو مزورة، مع وضع العراقيل في طريق إنشاء أي أحزاب معارِضة حقيقية غير ورقية، صاحب ذلك مشروع التوريث وتعديلات الدستور المفصلة على مقاس شخص بعينه، بالإضافة إلى استخدام القمع والملاحقة الأمنية للمعارضين وكل من يُشك في أنه سيكون مصدر “قلق” للسلطة، وكان مسك الختام هو انتخابات برلمان 2010 التي قضت على أي أمل في انتقال طبيعي للسلطة.

كانت البدائل المتبقية بخلاف الثورة هي انقلاب عسكري صريح، تدخل خارجي أو حرب أهلية، والثلاثة أسوأ من بعضهم البعض! لذلك، لجأ الناس إلى الثورة بعد فشل كل وسائل الانتقال السلمي الأخرى للسلطة. فتلخيصا لما سبق، قامت الثورة لتحقيق مطالبها وهي “عيش، حرية، كرامة إنسانية”، عن طريق توفير وسيلة انتقال سلمية للسلطة، وهي إجراء انتخابات حرة نزيهة، ويتحقق ذلك بإزالة العوائق التي تقف في سبيل هذا، وأهمها النظام الديكتاتوري المستبد، وتوفير الضمانات اللازمة لنزاهة العمليات الانتخابية المستقبلية.

تعالوا بنا إذا نستخدم هذا الفهم لتحليل ما حدث في الثلاثين من يونيو. بدأ الأمر في شهر أبريل بإعلان انطلاق حملة تمرد، والتي كانت تهدف إلى جمع التوقيعات لسحب الثقة من الرئيس مرسي. تقول الحملة في استمارتها:

منذ وصل محمد مرسي العياط الي السلطه .. يشعر المواطن البسيط بانه لم يتحقق اي هدف من اهداف الثوره ، التي كانت العيش والحريه والعداله الاجتماعيه والاستقلال الوطني ، وفشل مرسي في تحقيقها جميعا ، فلم يحقق لا الامن ، ولا العداله الاجتماعيه واثبت انه فاشل بمعني الكلمه ، ولا يصلح لادارة بلد بحجم مصر.

هذا ما تقوله الاستمارة ثم تدعو لسحب الثقة من مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ثم تبع ذلك إعلان الحركة أنها جمعت 22 مليون توقيع، ودعت، هي وقوى سياسية وثورية أخرى، المواطنين إلى النزول يوم 30/6 في مظاهرات حاشدة للمطالبة برحيل مرسي. كان من مطالب هذه المظاهرات أيضا تغيير الحكومة وتعديل الدستور وغيرها.

لست هنا بصدد الدفاع عن مرسي ولا عن أداءه هو أو حكومته، لكني بصدد تحليل ما حدث يوم 30/6 وكونه استكمالا للثورة حقا أم لا. نحن ذكرنا منذ قليل أن الثورة حالة استثنائية، لجأنا إليها حينما كان النظام الحاكم رافضا لكل أشكال الانتقال السلمي للسلطة، واضعا كل العوائق والعراقيل في طريقها، فهل هذا ينطبق في حالة مرسي؟ هل كان مرسي أو حزبه أو جماعته يعارضون أو يماطلون في عملية تسليم السلطة واكتمال مؤسسات الدولة بالشكل الديمقراطي؟! لقد كان من المفترض طبقا للدستور أن يكون لدينا مجلس نواب منذ شهر فبراير الماضي، يقوم بدوره في التشريع، ويقوم بعملية تعديل المواد المختلف عليها في الدستور، ويقوم باختيار الحكومة. باختصار، كان سيقوم بكل مطالب القوى المشاركة في 30/6 عدا رحيل مرسي، وكان رئيس الحكومة الجديد سيسحب من مرسي كثيرا من صلاحياته وسيشاركه البعض الآخر، فلم يكن يتبقى للرئيس صلاحية ينفرد بها سوى تمثيل الدولة في العلاقات الخارجية وإصدار العفو الرئاسي! يعني رئيس شرفي من الآخر! كان من المفترض أن يحدث هذا منذ 7 أشهر، لولا المداولات بين مجلس الشورى والمحكمة الدستورية في قانون الانتخابات التي لم تنتهي حتى يومنا هذا! بما فيها اختراع وإبداع المحكمة الدستورية في أحقية رجال الشرطة والجيش في المشاركة في الحياة السياسية!!

كان هذا هو المسار الطبيعي المفترض الذي ارتضاه الشعب لنفسه عبر انتخابات واستفتاءات عديدة. العقل والمنطق يقول أنه إذا كان هناك عدة طرق تؤدي إلى نفس المكان في النهاية، فتركك للطريق المستقيم السهل واتخاذك للطريق الأكثر صعوبة ووعورة هو حماقة! باللغة الإنجليزية يصفون هذا بقولهم (So much pain for so little gain). وكنت أرى، وأستغرب لماذا لا يرى غيري هذا، أن المظاهرات ينبغي أن يكون هدفها الضغط على المحكمة الدستورية لسرعة إنهاء إجراءاتها فيما يتعلق بالقانون. كنت أسمع في ذلك الحين كلاما يردده الكثيرون عن رفض أي انتخابات تجرى تحت حكومة قنديل خوفا من تزوير الانتخابات لصالح الإخوان!! والحقيقة أن هذا كلام خايب وتافه وترديده دون تفكير يدل على سطحية شديدة! فلو أن أي انتخابات ستتم تحت حكومة ما سوف تزور لصالح الحزب الذي تنتمي إليه هذه الحكومة فلماذا قمنا بالثورة؟!! لأن من نتائج الثورة توفير الضمانات اللازمة لنزاهة العملية الانتخابية من إشراف قضائي ومشاركة لمنظمات المجتمع المدني ووجود ممثلين لجميع المرشحين في كافة اللجان كي يحضروا عملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، تماما كما فعل ممثلوا الإخوان في انتخابات الرئاسة حين قاموا بإعلان النتيجة قبل إعلان النتيجة الرسمية بأيام موثقة بصور محاضر حميع اللجان على مستوى الجمهورية. وإلا سنبتدع أنه قبل أي انتخابات في أي حتة في البلد تستقيل الحكومة أو تفوض حكومة تسيير أعمال بإدارة شئون البلاد لحين انتهاء الانتخابات ثم يعودوا مرة أخرى!!! وهذا تفكير عقيم!

لهذا فأنا لم أجد سببا مقنعا يدعو الناس إلى التخلي عن المسار الديمقراطي واللجوء إلى ذلك المسار الآخر الذي أدخلنا في دوامة لا يعلم سوى الله كيف ستنتهي! هل هو خوف من الانتخابات؟! لا أجد هذا مقنعا في ضوء الأعداد التي تدعي تمرد أنها جمعتها وكذلك في ضوء الأعداد التي شاركت في مظاهرات الثلاثين من يونيو. لكن ما أراه هو أن الناس ليست مقتنعة بهذه الحركات المعارضة التي لم تقدم أي بديل طيلة عام من حكم مرسي، واقتصد دورها على أن تكون “الشريك المخالف” وخلاص! بمعنى أن السبب الوحيد لوقوف الناس في صف هذه القوى المعارضة هو كراهيتهم لمرسي والإخوان دون أن يكون لهم شعبية حقيقية في الشارع المصري. أرى كذلك أن أية انتخابات قريبة (لو لم يحدث ما حدث!) كان سيكتسحها الإخوان والفلول، مع العلم أن مادة العزل السياسي في الدستور الذي تم تعطيله كانت تقف عائقا أمام الفلول.

أخلص من هذا كله إلى رفضي لما حدث في يوم الثلاثين من يونيو. أنا لست أتكلم عن ما إذا كان انقلابا أم استجابة لثورة. أنا أتكلم عن هذا اليوم من حيث المبدأ وليس النتائج. أنا أتكلم عن اقتناعي بيوم 30/6 وكونه تصحيحا لمسار الثورة من الأساس. وذلك لأن الثورة ليست هدفا ولا غاية، ولكنها وسيلة. ومادام المسار الديمقراطي الطبيعي مفتوحا ومتاحا أمام الناس فلم يكن هناك داع على الإطلاق للجوء إلى هذا المسار البديل. ساعة يقفها المواطن المصري في طابور الانتخابات كانت، في رأيي، أفضل بكثير من ساعة وقفها يوم 30/6 للمطالبة برحيل مرسي. والله وحده يعلم كيف سنخرج من هذا المأزق بسلام وبأقل الخسائر.

 

أحمد سعد

9 سبتمبر 2013

 
 

الأوسمة: , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: