RSS

Monthly Archives: فبراير 2012

فن الحوار


لست أعتقد أني بحاجة إلى أن أبرهن لكم على أن مجتمعنا يفتقر إلى ثقافة الحوار، فالأشهر القليلة الماضية تزخر بعشرات إن لم يكن مئات الأمثلة. وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل إننا نفتقر إلى ما هو أهم من ذلك ألا وهو الرغبة في سماع الآخر من الأساس! منذ أن رحل النظام السابق – أو هكذا تصورنا حينها – حتى تلاشى المطلب الواحد، وتفرق الجمع ، وصرنا فرقا وفصائل لكل منها أهدافه ومصالحه التي يسعى إليها وربما يقدمها على مصلحة هذا الوطن. وصار كل منا على المستوى الشخصي ديكتاتورا لا يريد أن يسمع إلا نفسه، فيختار من برامج التليفزيون ومن الصحف ما يخبره بما يوافق هواه ويؤكد وجهة نظره التي اقتنع بها، بل ويتخير من أصدقاءه من يشاركه رأيه فحسب أما ما عدا ذلك فمصيره الهجوم والتخوين، أو التجاهل في أحسن الأحوال. نحن نحتاج إلى فن الحوار لأغراض عديدة قد تكون دينية كالحوار مع غير المسلمين أو سياسية كالنقاشات التي صارت جزءا من حياتنا اليومية. لذلك، شعرت أن من واجبي أن أكتب هذا المقال مستعينا بالله ثم بخبرتي الضئيلة وخبرات الآخرين لأوضح فيه كيف ندير حوارا ناحجا.

أولا وقبل الدخول في الحوار لا بد أن يسأل المرء نفسه سؤالا هاما، ما هو الهدف من هذا الحوار وما هي النتائج المتوقعة منه؟! لا بد أن تعلم أن سحق الطرف الآخر أو إفحامه أو إحراجه هي إجابات خاطئة على السؤال الماضي، وثق تماما أن الإجابة الصحيحة لا بد أن تحتوي على عبارتي “سماع وفهم وجهة نظر الآخر” و “تقريب وجهات النظر”، فإن لم يحدث هذا فتأكد من أن الحوار قد فشل قبل أن يبدأ. إثبات صحة وجهة نظرك والدفاع عنها وإثبات خطأ وجهات النظر الأخرى أمور لا بأس بها، ولكنها لا تأتي في المرتبة الأولى. لا بد كذلك أن يكون لديك استعداد نفسي لأن تكتشف أنك على خطأ وأن تتقبل هذا وتعترف به دون خجل. أي أنك لا بد أن تقتنع بمقولة الإمام الشافعي – رحمه الله – : “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. فلتتأكد أيضا أنه لا يوجد مخلوق على وجه الأرض يستطيع أن يقنعك بأمر لا تريد أن تقتنع به ،فعنادك وكبرك سيدفعانك إلى أن تتعامى عن الحقيقة الواضحة. وأخيرا، احرص على أن تبدأ الحوار بالدعاء “اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه”.

ثانيا، يجب عليك معرفة الشخص الذي ستقوم بمحاورته. هناك ثلاثة أنواع من الأشخاص، وهذه الأنواع تتضح أكثر في الحوار مع الملحدين. فهناك العابث الذي لا هدف له سوى السخرية وليس لديه استعداد للفهم أو الاقتناع، وهذا تعرفه من طريقته في النقاش. وهناك المرائي – بضم الميم – الذي يجادل لأجل الجدل فحسب. يمكنك تمييز هذا النوع بسهولة حيث يخرج من نقطة فرعية ليدخل في نقطة فرعية أخرى، وكلما أغلقت له بابا فتح غيره، كي يستمر الجدال بلا فائدة. أما النوع الثالث من الناس فهو الحائر الذي يريد حقأ أن يفهم، ويبحث بصدق عن الحقيقة. ولست بحاجة إلى أن أؤكد لك أن النوع الأخير هو الوحيد الذي يستحق أن تبذل من وقتك وجهدك في الحوار معه. باختصار، عليك أن تتأكد أن الشروط الموجودة في الفقرة السابقة كما تنطبق عليك تنطبق على من تحاوره أيضا!

هناك شروط تتعلق بالحوار ذاته. فيجب قبل الحوار أن يعطي كل منكما الآخر فرصة كي يشرح وجهة نظره. قكثيرا ما يحدث، أن تقضي ساعات من وقتك في النقاش مع خصمك لتكتشف في النهاية أنه مقتنع بنفس وجهة نظرك وإن كان يعبر عنها بشكل مختلف. وفي المقابل فقد تضيع ساعات من وقتك في إقناعه مثلا بضرورة رحيل المجلس العسكري لأنه يعطل تحقيق أهداف الثورة، لتكتشف بعد كل هذا الوقت أنه أصلا من معارضي الثورة! الجدال حول الفروع مع الاختلاف حول الأصول مضيعة للوقت والجهد. حيث يسهل مثلا أن ينزلق المسلم إلى الجدال حين يسمع ادعاءات الملحدين أن هناك تعارضا بين بعض آيات من القرآن، في حين أن الملحد لا يؤمن بالقرآن أصلا، ولو أثبت له عدم التعارض لما أثر ذلك فيه شيئا! الأمر يشبه شخصا في القاهرة يسأل المارة عن كيفية الذهاب إلى برج إيفل! التصرف الصحيح هو أن تخبره أن يستقل الطائرة المتجهة إلى باريس ثم يسأل المارة هناك! أما أن تضيع وقتك في وصف الطريق له فهو بلا فائدة. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، هو إن كان الجدال حول الفروع مدخلا للاتفاق حول الأصول، بمعنى أن تكون هذه المسألة الفرعية هي سبب المشكلة والخلاف. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يمضي الحوار باستمرار في اتجاه البحث عن أرضية مشتركة. بمعني أننا نبحث أولا عن نقاط الاتفاق حتى يتسنى لنا التعرف على نقاط الاختلاف فنركز عليها في حوارنا بدل أن نضيع الوقت في كلام مكرر لا طائل من وراءه.

وأخيرا، في الغالب أن كل مكان وكل شلة أصحاب في مصر تحتوي على شخصين أحدهما يظن الآخر من الفلول ومؤيدي الرئيس المخلوع، والثاني يظن الأول أناركيا يريد تخريب البلد، وكان كل منهما يتجاهل الآخر ويتحاشاه، وربما مسحه من قائمة أصدقاءه على الفيسبوك! أيا كانت نهاية هذا الحوار، فأنا واثق أنهما سيكونان سعيدين بما وصلا إليه من اتفاق وتقريب لوجهات النظر. ثقافة الحوار ليست رفاهية ولا أمرا ثانويا، فالمرء بحاجة لأن يسمع الرأي الآخر أكثر من حاجته لأن يسمع رأيه من غيره.

 

أحمد سعد

16 فبراير 2012

 

الأوسمة: , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: