RSS

تشغيل مخ

15 يناير

قبل أن أبدأ في الكلام، لا بد – منعا لجدال عقيم – أن أؤكد أني لست فقيها ولا عالما، وإنما أنا مجرد شاب، أنعم الله عليه بسعة الاطلاع وألهمه أن يؤدي الفريضة التي أهملها كثير من الناس، ألا وهي فريضة التفكير. لذلك فأنا أدعوكم إلى أن تنسوا أو تتجاهلوا مؤقتا الشخص الذي يتحدث إليكم، وتركزوا أكثر فيما يقوله هذا الشخص، وأن يكون الرد على الحجة بالحجة فلا ندع مجالا للتعصب والعواطف في غير محلها. انتهيت مؤخرا من قراءة كتاب “التفكير فريضة إسلامية” للأديب الراحل الرائع عباس العقاد، وأكتفي بذكر نقطة واحدة منه، وهي أن الأصل في الدين هو الاجتهاد، والتقليد لا يكون إلا عند العجز عن الاجتهاد. بل إن الإمام الغزالي – رحمه الله – في كل كتبه يحرم التقليد على من يستطيع التعلم والاهتداء بعقله إلى حقائق الدين. كما أن العجز عن الاجتهاد، حالة لا يجب أن يستسلم لها الإنسان، بل عليه أن يعمل على الخلاص منها قدر المستطاع. وأما موضوعنا الذي نحن بصدد الحديث عنه هو علاقتنا بإخواننا المسيحيين، شركائنا في الوطن.

في الغالب أن أول ما سيلاقي الاعتراض في هذه المقدمة هي كلمة “إخواننا” في العبارة الأخيرة، فقد قرأت وسمعت لبعض المشايخ الذين يقولون بعدم جواز أن ننادي غير المسلمين بالإخوة! ودعونا أولا نذكّر بقاعد فقهية ستستمر معنا طوال المقال، وهي أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو الإباحة، فكل شيء حلال إلا ما ورد نص بتحريمه. وهذا يعني أنني لست مضطرا على الإطلاق لأثبات أن أمرا معينا حلال، بل على من يقول بتحريمه أن يأتي بالدليل، ولكني – بكرم أخلاق مني – سأظل معهم لحد باب الدار كما يقولون! بحثت كثيرا فلم أجد سندا أو دليلا يؤيد الادعاء المذكور في بداية هذه الفقرة، بل إنه يخالف صريح القرآن الكريم. يقول الله عز وجل في أكثر من موضع “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ”، “وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا” ،”وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا”، “إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ”، “وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا”. فالله عز وجل ينص على أن الأنبياء إخوة لقومهم الذين أرسلوا إليهم أخوّة الوطن رغم أنه أيضا ينص على قوله عز وجل “كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ”. فرغم أن أخوة الدين أقوى عندنا معشر المسلمين من أخوة النسب وأخوة الوطن وأخوة الإنسانية، إلا أنها لا تلغيها أو تحرمها.

الأمر الثاني هو القول أننا لا يجوز لنا أن نحب غير المسلمين، ويستشهدون بقول الله عز وجل “لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…” [المجادلة:22] ولكننا إذا فكرنا في الأمر فسنعجب كيف يبيح الإسلام للرجل المسلم أن يتزوج من امرأة مسيحية أو يهودية ثم يحرم عليه أن يحبهما؟! كيف يخلتف الدليل العقلي مع الدليل النقلي[1]؟ في الواقع هما لا يختلفان لكن الأمر يحتاج للتوضيح. أجمع فقهاء الأمة، أن الحب والكره الذي أمرنا به والذي يعرف بين المتخصصين بالولاء والبراء يكون للأفعال وليس للأشخاص .. مش فاهم حاجة؟! طب أبسطهالك! بمعني أنك ليس عليك أن تكره جميع الكفار لكنك تكره كونهم كفارا، كما لا يشترط أن تحب كل المسلمين لكنك تحب كونهم مسلمين. أنت مثلا قد تجد صديقين أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي، يحب كل منهما الآخر ولكنه يكره توجهه السياسي. أما حبك وكرهك للشخص ذاته فهو أمر لا يحاسبك الله عليه لأنه ليس بيدك بل بيد الله عز وجل، فهو يقول “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [الأنفال:63]، فلا يعقل أن يحاسبك الله على أمر ليس في إرادتك.

الموضوع الثالث، وهو الذي كثر عليه الجدل في الفترة السابقة، فهو عدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم عامة وبعيد الميلاد خاصة. هم يقولون “التسامح مع النصارى لا يعني أن أتنازل عن عقيدتي”. أولا أقول له: انتظر .. حتى لا يتحول هذا الكلام إلى حق يراد به باطل. ماذا في تهنئة المسيحي بعيد الميلاد مما يمس عقيدتك؟ بل ماذا في الحدث نفسه، ميلاد السيد المسيح – عليه السلام – مما يخالفها؟! أليس إيمانك بسيدنا المسيح عيسى وميلاده المعجز جزءا من عقيدتك؟! ألم يبشر الله عز وجل السيدة مريم بهذا الحدث الذي تستحرم أنت أن تهنئ أخاك المسيحي به، بل وذكره في كتابه الكريم في قوله تعالى: “إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” [آل عمران:45]. هل نسي الله عز وجل أن هذا الأمر مخالف لعقيدتنا حين ذكره في القرآن؟ حاشا لله. ثانيا: إن الله عز وجل يقول “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” [الممتحنة:8]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في عهده لنصارى نجران “لأني اعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين“. فالآية الكريمة تشمل جميع أشكال البر والقسط، وعهد النبي يضم جميع الحقوق والواجبات. والتهنئة بالعيد تنتمي لكل التصنيفات السابقة، ولا يستثنيها من ذلك إلا نص صريح من الكتاب أو السنة لا زلت أرجو أن يطلعني أحدهم عليه حتى أستريح، ولكن ما من مجيب!

النقطة الأخيرة، وهي توضح أن كثيرا ممن يردد هذا الكلام (ناس حافظة مش فاهمة!)، أن العيد الذي يخالف عقيدة المسلمين هو عيد القيامة وليس عيد الميلاد! فإخواننا المسيحيون يحتفلون فيه بقيامة السيد المسيح من بين الأموات بعد موته على الصليب. أما نحن فنؤمن بقول الله عز وجل “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ” [النساء:157]. ولكن هل تهنئتك لغير المسلم بعيد يخالف عقيدتك يعد تنازلا منك عن هذه العقيدة أو شكا فيها؟ إنك ترى حفل الزفاف وسرادق العزاء في نفس المنطقة وفي نفس اليوم، وترى الناس التي أدت واجب العزاء هي التي تحضر حفل الزفاف. بل إن صاحب الحفل ذاته قد يقوم أيضا بأداء واجب العزاء. فهل يعني هذا أن هؤلاء يشعرون بالفرح والحزن في نفس الوقت؟! كلا بل هم يشاركون هذا في فرحه، وذاك في حزنه. فأنت تهنئه على فرحته وليس على الحدث ذاته. ولكن الاختلاف حول هذه النقطة وارد ومقبول بعكس المرة السابقة، لأن استنباط الحكم هنا مبني على مقدمات صحيحة هي مخالفة الحدث لعقيدتنا، رغم اختلافنا حول صحة النتائج. قفد يريد البعض أن يأخذ بالأحوط بينما يرى البعض الآخر أن في الأمر سعة. المهم أن لا ينكر أحد منا على الآخر ما وصل إليه باجتهاده.

وفي ختام المقال، أرجو ممن يستطيع أن يصل بهذا المقال إلى المشايخ والعلماء الأفاضل أن يفعل. فقد يكون لدى أحدهم تصحيحا أو ردا أو توضيحا لأمر التبس عليّ فنستفيد جميعا. كما أعبر عن سعادتي عن كون هذا المقال أول مقال مستقل بذاته ليس له جزء ثانٍ، وأدعو الله عز وجل أن يديمها نعمة، وأن يحفظها من الزوال!

 

أحمد سعد

15 يناير 2012


[1] الدليل النقلي هو نص الكتاب والسنة

Advertisements
 
4 تعليقات

Posted by في 15 يناير 2012 in خواطر في الدين

 

الأوسمة: , , , , , , ,

4 responses to “تشغيل مخ

  1. dr.....mohamed abdou

    16 يناير 2012 at 7:48 ص

    سلام عليكم الاخ احمد جزاك الله خيرا على ما قدمت ونفعنا الله واياك وهدانا الى الصراط المستقيم………………وارجو من الاخوه المخالفين للراى ان يوضحو ادلتهم او ادلة المستشهدين فى نقاط واضحة وجزاكم الله خيرا

     
    • Ahmed Saad

      16 يناير 2012 at 8:24 ص

      اللهم آمين .. جزاك الله خيرا

       
  2. mustafa

    16 يناير 2012 at 4:19 م

    ما شاء الله عليك بجد …..راائع جدا التحليل ده
    انت خسارة في البلد يا بني 😀

     
    • Ahmed Saad

      16 يناير 2012 at 8:19 م

      ربنا يخليك .. ده بس من ذوقك 🙂

       

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: