RSS

ألزهايمر (1)

04 يناير

أحيانا أشعر أن عاصفة من مرض ألزهايمر قد اجتاحت المجتمع المصري عقب الثورة، حتى لم يبق أحد غيري محتفظا بذاكرته ويقدر على تذكر الأمر بتفاصيله أو يحاول استخدام عقله، وذلك حين أستمع إلى الجدال الدائر بين عامة الناس وعلى شاشات الفضائيات، فرغم أنه لم يكد يمر عام على أحداث الثورة، إلا أني أجد الكلام مليئا بكم هائل من المغالطات التاريخية والتحليلات السياسية غير المنطقية، ده طبعا غير إننا شعب يموت في الفتاوي، ونؤمن أن الهدف الأصلي من النقاش هو سحق الطرف الآخر لا توصيل وجهة نظرنا وفهم وجهة نظره. لذلك قررت أن أكتب هذا المقال، وأجمع وأصحح فيه ما يفتح الله به علي من مفاهيم مغلوطة متعلقة بثورتنا الحبيبة التي نسأل الله عز وجل أن يعيننا على إتمامها والوصول بمصر إلى بر الأمان. وحتى نبدأ، فأنا أدعوكم جميعا أن تركزوا أذهانكم وتنشطوا ذاكرتكم، فإن استعصى هذا عليكم فإن تناول بعض السمك قد يكون مفيدا!

– الجيش حمى الثورة

أول المفاهيم المغلوطة هو ذلك المفهوم أن الجيش حمى الثورة. ولكي نتعرف على الحقيقة دعونا نسترجع الأحداث. ما حدث أن الجيش قد اقتصر طوال الثورة على المشاهدة فحسب؛ كانت موقعة الجمل وغيرها من مواقع هجوم البلطجية على الثوار تحدث أمام عينيه دون رد فعل يذكر منه، بل إنه قد قام في بعض الأحيان بمحاولة إثناء الثوار عن استكمال ثورتهم، وهذا مسجل بالصوت والصورة. وكيف نزعم أن الجيش حمى الثورة وفد سمعنا جميعا تصريحات القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو يعلن أنه لم تصلهم أوامر بضرب أو قتل المتظاهرين؟ فإذا كان الجيش لم يحم الثورة، فما الذي فعله إذن؟! الجيش حمى الدولة؛ حمى المنشآت العامة والحيوية، وعوض غياب وزارة الداخلية ورجالها، وقام بمساعدة اللجان الشعبية في القبض على المجرمين، وكل ذلك طبقا لأوامر الرئيس المخلوع، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك. فإذا كان ما سبق حماية للثورة، فقد صدق فريد الديب في قوله بأن مبارك هو أول من أيد ثورة الشباب! ولكن الحقيقة هي أن الله عز وجل هو من حمى ثورتنا. لو تذكرون في مقال سابق، تحدثنا عن كيف أن الثورة كان مخططا لها أن تموت بعد أسبوع من قيامها، بعد خطاب الرئيس الثاني الذي لعب على مشاعر الجماهير، فأكثر الإحصائيات تفاؤلا قالت أن عدد من بقي في الميدان لم يتجاوز العشرة آلاف. ولكن الله عز وجل كما رزق الرئيس المخلوع بالعبقري الذي كتب له الخطاب، قد ابتلاه بعبقري آخر خطط لموقعة الجمل، التي كانت آخر مسمار في نعش نظام الرئيس المخلوع. ولو كان لديه بقية من فهم، لانتظر قليلا حتى يهدأ الأمر، وقام ببعض الإصلاحات الصورية حتى يتفاعل معه شعبنا “العاطفي” ثم تنزل المظاهرات المؤيدة له في كل مكان في مصر، حينها كان يستطيع أن يفعل ما يشاء بالثوار دون أن يكترث بهم أحد.

– تقديم انتخابات الرئاسة تزوير لإرادة الشعب

كلما صارحت أحدا بوجهة نظري في أن البلد لن تحتمل البقاء في هذا الوضع كثيرا، وأن الحل لمن ينشدون الاستقرار، حقا وليس مجرد كلام، هو التعجيل بانتخابات الرئاسة، أجد من يرد على ويزعم أن هذا التفاف على إرادة الشعب وتزوير لها، وأن الشعب قد اتفق على أن يتم وضع الدستور قبل انتخاب رئيس جديد، ومن أعطاكم الحق في النحدث باسم الشعب ….. إلخ. دفعني هذا الأمر إلى البحث، بجد، عن إرادة الشعب فلم أجدها قد تكلمت بصورة حقيقية منذ تولي المجلس العسكري شئون البلاد إلا مرتين؛ مرة في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وهي ليست موضوعنا الآن، ومرة في التعديلات الدستورية. نظرت فيها فوجدت أن المادة التي تتحدث عن هذا الأمر هي المادة رقم 189 مكررا وهي تقول “يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشوري تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء علي تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، …” فلا يوجد بها ما يلزم الشعب بوضع الدستور قبل انتخاب الرئيس. حتى المادة الموازية لها في الإعلان الدستوري وهي المادة رقم 60 فسنجدها تقول نفس الكلام مع أضافة بسيطة هي “بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة”. وهي تلزم بأن تكون دعوة المجلسين لانتخاب اللجنة التأسيسية من المجلس العسكري ولا تلزم الانتهاء من وضع الدستور والاستفتاء عليه في وجود المجلس. ورغم أن إضافة هذه الفقرة التي لم تكن موجودة في التعديلات تم دون استفتاء للشعب عليها، وفي هذا التفاف وتزوير لإرادة الشعب!! ولكن بما أن نزول الناس إلى صلاة الجمعة وذهابهم إلى السوق ومتابعتهم للدوري المصري، في وجهة نظر المجلس العسكري، هو تأكيد واعتراف منهم بشرعية هذا المجلس إذن فهذا الإعلان يعبر عن إرادة الشعب!!

– إجراء انتخابات الرئاسة قبل وضع الدستور يهدد بخلق فرعون جديد

وهذا هو الادعاء الآخر لمن يعارضون تقديم انتخابات الرئاسة، فيتساءلون، كيف ننتخب رئيسا للبلاد دون أن يكون هناك دستور يحدد صلاحيات هذا الرئيس؟! ألا يهدد هذا بخلق فرعون جديد؟! وهناك من يقول أيضا، أن هذا سيتيح للرئيس الجديد أن (يعمل الدستور على مزاجه!). هذا الكلام يبدو منظقيا للوهلة الأولى، والرد علىه يتكون من نقطتين. أولا، من سيشكل الدستور؟! أليس اللجنة التأسيسية التي سينتخبها مجلسي الشعب والشورى الذان ينتخبهما الشعب؟! ليس الرئيس الجديد إذن! النقطة الثانية، هي أننا الآن نعيش تحت حكم العسكر، وليس الملائكة! فكل ما ينطبق على الرئيس الجديد ينطبق على المجلس العسكري والعكس، مع الفارق طبعا أن رئيس الجمهورية “المنتخب” يعبر “حقا” عن الشعب، وله شرعية حقيقية وليست شرعية (اللي بيتمحك في أي حاجة!). فإذا كان انتخاب الرئيس قبل وضع الدستور، يعطي الرئيس صلاحيات مطلقة، فإن المجلس العسكري في الوضع الحالي ينطبق عليه نفس الكلام، وإذا الرئيس سيتمكن من وضع الدستور على هواه، فنحن لم ننسى بعد موضوع وثيقة السلمي والمادتين 9 و 10، اللتان حاول المجلس العسكري من خلالهما أن يضع نفسه فوق سلطة القانون ويمنح نفسه حصانة من المساءلة والمحاسبة المالية. فخلاصة الأمر ، أن الادعاء بأن تقديم انتخابات الرئاسة على الدستور ليس في مصلحة الشعب أمر لا أساس له، وأن الفيصل الأخير في هذا الأمر، هو الوعي الشعبي والإرادة الشعبية التي كما رفضت وثيقة السلمي، سترفض كل محاولة مشابهة.

كنت أتمنى أن أكتب مقالا في حياتي لا يحتاج لجزء آخر! ولكن ما باليد حيلة. فهذه المفاهيم لا يسعها مقال واحد. إذن، فللحديث بقية.

 

أحمد سعد

4 ديسمبر 2012


 

 
تعليق واحد

Posted by في 4 يناير 2012 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , ,

One response to “ألزهايمر (1)

  1. Ahmed Saad

    12 يناير 2012 at 2:07 م

    تمت إضافة رابط الفيديو المذكور في المقال ليتم التوثيق

     

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: