RSS

تغييروفوبيا – 3. لحمة بالبطاطس!

01 يناير

المشكلة مع الكتابة في السياسة، هي أن الأحداث في مصر صارت متلاحقة سريعة التغير؛ تكتب المقال اليوم لتكتشف غدا أنه صار منتهي الصلاحية. لقد جاءتني فكرة هذا المقال يوم مليونية رفض وثيقة السلمي وكنت يومها في المنصورة، فلما عدت لأكتبه وقعت أحداث شارع محمد محمود، ووجدت أن من يقرأ المقال سيقول “مين الرايق ده؟! شوف احنا في إيه وهو في إيه؟!”، فقررت الانتظار. ثم تبعت هذه الأحداث الانتخابات بمرحلتيها، ثم أحداث شارع مجلس الوزراء وكلها أحداث لا تناسب المقال. فالحمد لله على فترة الهدوء الحالية التي ندعو الله أن تطول! أذكر أني قرأت للدكتور أحمد خالد توفيق موقفا مماثلا حدث له في نفس الفترة، حيث أرسل المقال إلى المطبعة مساء  الخميس، ثم حدثت أحداث شارع محمد محمود مما أجل نشر المقال إلى يوم الإثنين، فكانت النتيجة أن المقال جاء منفصلا تماما عن الواقع!

عودة إلى موضوعنا. التغيير يسير في احد اتجاهين؛ إما أن يكون التغيير من أعلى لأسفل، أو من أسفل لأعلى[1]. ولكي نفهم هذه الأنواع يجب أن نتصور النظام المراد تغييره على شكل هرم. فلو أن النظام المراد تغييره هو النظام الحاكم في مصر فرأس الهرم هو رئيس الجمهورية، وتحته الوزراء والمحافظون، ثم مديرو المصالح الحكومية، ثم وكلاء الوزارة، ثم رؤساء القطاعات وهكذا حتى نصل إلى عامة الشعب الذي يحتل قاعدة الهرم. فالنوع الأول من التغيير يعتمد على أن يأتي التغيير من رأس الهرم متجها لأسفله، إما بتغيير الشخص الذي يحتل قمة الهرم أو بتغيير سلوكه، حتى يقوم بتغيير الأشخاص الموجودين تحته مباشرة، ثم يقوموا بدورهم في تغيير من تحتهم وهكذا حتى نصل إلى قاع الهرم. هذا النوع يتميز بأنه سريع وثوري (Revolutionary). أما النوع الثاني فيبدأ من قاع الهرم ثم يصعد لأعلى حتى يصل إلى القمة، ولكنه يقوم على تغيير السلوكيات فقط وليس الأشخاص، وهو تغيير بطيء وتطوري (Evolutionary). ما حدث في ثورة 25 يناير هو تغيير من النوع الأول، قام الشعب بتغيير رأس النظام وهو الرئيس السابق وبعض معاونيه، وهي خطوة لن تكتمل إلا يوم انتخاب رئيس جديد للبلاد، كما قاموا بحل البرلمان وانتخاب آخر جديد.

لكن علماء الإدارة يخبروننا، بأن التغيير الناجح، هو الذي يجمع بين النوعين معا، حيث يقوم الشعب بتغيير رأس النظام، كما يقوم أيضا بتغيير نفسه وتقويم سلوكياته. الناس تزعم أن النظام الفاسد هو سبب كل المصائب، ولكن هذا ليس صحيحا. فالنظام الفاسد ينشر فساده، والناس تتخاذل عن أن ترفض الفساد أو تواجههه فتضطر للتعايش معه ومجاراته عن طريق الرشوة والواسطة والنفاق والبحث عن الأبواب الخلفية، مما ينتج مزيدا من الفساد، وهكذا، حلقة مفرغة لا تنتهي إلا بتغيير النظام الفاسد، وتغيير سلوكيات الناس التي تجاري فساده معا في آن واحد. لكن ما حدث أن الناس أسقطت رأس النظام، واكتفت بذلك فلم يحدث تغيير يذكر. الناس التي كانت تنافق النظام السابق نافقت الثورة ثم نافقت المجلس العسكري، وكما صنعوا من مبارك فرعونا صنعوا من المجلس العسكري واحدا آخر، وسيفعلون ذلك مع الرئيس القادم إن لم يتغيروا! الناس التي تشتكي من توقف عجلة الإنتاج هي نفسها التي تتكاسل عن الذهاب إلى أعمالها وحين تذهب تعمل بلا ضمير أو إتقان وترفع شعار “على قد فلوسهم” كما كانوا يفعلون قبل الثورة. الذين كانوا يدفعون الرشوة ظلوا يدفعونها والذين كانوا يأخذونها لازالوا يأخذونها والذين لم يحترموا قوانين المرور قبل الثورة لم يحترموها بعدها، والذين كانوا يبحثون عن وسائل للغش في الامتحانات ظلوا كما هم. ما حدث أثناء الثورة هو أن الناس أبدت استعدادا للتغير، بدا ذلك في مظاهر التحضر من تنظيف وتنظيم وتجميل للشوارع والميادين، وفي روح المودة والألفة التي سادت بين الشعب عامة والمتظاهرين خاصة. هناك بعض التغيرات في نفسية المصريين يمكن ملاحظتها، منها انكسار حاجز الخوف لدى الناس، وبالذات الخوف من السلطة والجهات الأمنية، ومنها ازدياد شعور الناس بالانتماء وظهر هذا في الإقبال الحاشد على الانتخابات رغم المخاطر التي كانت تحيط بها، والتنظيم الجميل لها من الشعب نفسه. ولكن كل هذا وحده لا يكفي.

كنت منذ عدة أسابيع في عيادة للتأمين الصحي، وكان الزحام شديدا من المرضي الذين جلسوا في انتظار دورهم. وبعد ساعة من الانتظار ودون أي مقدمات توقفت الممرضة عن النداء على المرضى الذين حان دورهم فلم يدخل أي أحد على الطبيبة لفترة تقارب نصف الساعة لنكتشف بعد ذلك أن الطبيبة والممرضة قضيتا كل الوقت في (الرغي) مع بعضهما دون أي اهتمام أو احترام لوقت المرضى! علمت فيما بعد أن هذه كانت عادة يومية للطبيبة. المهم أن المرضى اشتد غضبهم ودخل أحدهم وتشاجر مع الطبيبة وظل كل منهما يصيح في وجه الآخر حتى أعلنت الطبيبة – الموقرة – أنها غضبت و(اتقمصت!) وأنها لن تقوم بالكشف على أي مريض آخر في ذلك اليوم! كما أعلن المريض أنه لن يغادر الغرفة حتى يوقع الكشف عليه. ولكن ما أثار دهشتي وأسفي وإحباطي أن الناس دخلوا يعتذرون للطبيبة ويطلبون عفوها وينهرون الرجل!! قفلت في نفسي: “أي رجال أنتم؟! والله إنكم لتستحقون ما يحدث لكم!”. الرجل دخل كي يدافع عن وقتكم وحقكم الذي أهدرته الطبيبة بلا اكتراث فيكون جزاؤه أن تتخلوا عنه وتجعلوه هو المخطئ وتقدموا لها الأعذار؟! ثم تذكرت أن هذا يحدث في مصر منذ بداية الثورة! يخرج الشباب كي يطالبوا بحق الشعب في قانون تأخر إصداره كقانون الحد الأدنى أو الأقصى للأجور، أو في إقالة حكومة فاسدة فيخرج من يتهمهم بقلة الأدب وبأنهم يعطلون عجلة الإنتاج! الرئيس المخلوع ضيع حقوقنا ثلاثين عاما وجعل سمعتنا واقتصادنا (في الأرض!) ثم حين خرج الشباب مطالبين برحيله سمعنا الكلام عن الأعمال التي توقفت والبورصة التي انضربت والاقتصاد الذي خرب! لماذا نقبل أن نتعطل وتضيع حقوقنا طالما أن هذا بمزاج من في السلطة، ونرفضه بشدة إن كان على يد إخواننا ثمنا لحريتنا واستعادة حقوقنا؟!

إذا كنتم ممن ينطبق عليهم الكلام السابق، فأرجوا أن تنتبهوا إلى المثال التالي. تخيلوا أن رجلا لم يذق طعاما ولا شرابا منذ أربعة أيام، ثم تبرع له أحد أولاد الحلال بقطعة لحم نيء وبعض ثمرات البطاطس. فرح الرجل بذلك فرحا شديدا وذهب إلى بيته وقرر أن يعد صينية لحمة بالبطاطس! ولكنه عندما وصل إلى المنزل كان الجوع قد اشتد به، وصار عليه أن يختار أحد أمرين؛ إما أن يأكل الطعام نيئا، وإما أن يحتمل الجوع قليلا حتى ينتهي من إعداد الطعام. فلنتخيل أن الرجل من شدة جوعه أكل اللحم والبطاطس دون أن يتنظر، حتى إنه لم يغسل الطعام قبل أكله. لم يكن هذا مشكلة بالنسبة له، بل كان منتهى أمله أن يأكل أي شيء ولو لم يجد أمامه إلا حذاءه لأكله! ولكنه ما إن انتهى من الأكل وشبع حتى شعر بالندم الشديد، وقال لنفسه: “لقد احتملت الجوع أربعة أيام .. ألم يكن بإمكاني أن أصبر هذه الدقائق حتى آكل الطعام ناضجا طيبا؟!” .. ولم يلبث هذا الندم أن تضاعف حين زال ألم الجوع، وحل محله ألم المغص، وأصيب بأعراض التسمم! حينها أدرك أن ألم الجوع كان خيرا ألف مرة مما أصابه، والله وحده يعلم كيف ستكون نتيجته ونهايته. هل فهمنا المغزى من القصة؟

وأخيرا، أذكر أني سمعت الدكتور عمرو خالد في شرح جميل له لقول الله – عز وجل: ” وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” [الإسراء:81]، فيقول الدكتور أن الله عز وجل حين قال” إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” فهذا تأكيد من الله عز وجل على أن زوال الباطل أمر محتم لا شك فيه، ولكن إذا لم يأت الحق فإن الباطل يزول ويحل محله باطل آخر! وهذا ما يحدث الآن. لقد تحملنا الصعاب والمشاق كي يرحل الرئيس السابق، ولكننا ليست لدينا العزيمة الكافية كي نغير أنفسنا. لأن نفَسنا قصير، واحتمالنا ضعيف. نريد كل شيء سهلا بلا مقابل. كنا نتمنى لو أن للحرية رقما يبدأ بـ 0900 حتى نتصل به وينتهي الأمر! إن تغيير النفس والسلوكيات تضحية لا تقل مكانة ولا صعوبة عن التضحية التي قدمها الشهداء بأرواحهم. المظاهرات والاعتصامات ليست، وحدها، هي الحل طالما لا نريد أن نتغير. لأن الله عز وجل قال : ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [فاطر:11].

أحمد سعد

1 يناير 2012

2012

 


[1] Top-down Change / Bottom-up Change

 
3 تعليقات

Posted by في 1 يناير 2012 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

3 responses to “تغييروفوبيا – 3. لحمة بالبطاطس!

  1. mohamedibr752

    1 يناير 2012 at 7:59 ص

    كلام جميل يا احمد .. بس انا كنت عايز اسألك؛ انت عمرك دخلت في حوار مع تلك النوعية من الناس اللي انت بتتكلم عليهم ؟؟ .. اقصد الناس اللي فاكرة ان الثورة وشباب التحرير هما السبب في الخراب والفوضي .. انا متأكد ان تلك النوعية من الناس مبتتدخلش علي النت علشان كده مش هتقرا الكلام ده .. فمهم جدا ان احنا نحاول نتناقش معاهم ونوصلهم وجهة النظر دي .. مكذبش عليك انا مبعرفش اتحاور مع النوعية دي من الناس للأسف .. خنقي ضيق في المواقف اللي زي دي .. آخر موقف حصلي كان اول امبارح، قابلت واحد غلبان بيحلف بأيام العادلي وايام الأمن والامان !!! مسكت نفسي بالعافية ومشيت بسرعة من قدامه .. مكنتش عارف اعمل ايه بصراحة ؟! النوعية دي من الناس مينفعش معاها منطق ولا عقل ولا حوار اصلا ! انا جربت كتير قبل كده وفقدت الأمل في العقول دي خلاص 😦 المقال جميل بس لازم نحاول نطبق الكلام ده علي أرض الواقع

     
    • Ahmed Saad

      1 يناير 2012 at 8:23 ص

      نفس الكلام بس أنا بحاول أطول نفسي شوية .. للأسف إن كلهم ناس كبيرة وكلهم قرايبي, وكل ما بنتقابل المواضيع دي بتتفتح, المشكلة بقى إننا بنقعد نتكلم وأحاول أقنع فيهم, وبعد أسبوع أشوفهم تاني نبدأ الحوار من نفس النقطة تاني!!!زهقت ومللت بس جاء في دماغي الكلام اللي كتبته في المقال اللي فات, الناس دي استنفذت طاقتها في مصارعة الحياة ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة, لدرجة ان حياتهم بقت متشبعة بمبادئ صعب تغيرها زي المشي جنب الحيط واتقاء شر من في السلطة … إلخ
      فبقول لنفسي, زي ما هم صبروا علينا لحد ما ربونا ووصلونا للي احنا فيه, برضه رد الجميل اننا نستحمل فكرهم ونصبر عليهم ونحاول معاهم بالراحة, ونركز أكثر على الأجيال اللي لسه صغيره ولسه دماغهم ما تلوثتش بالأفكار دي 🙂

       
      • mohamedibr752

        1 يناير 2012 at 8:28 ص

        انا بطلت المحاولات دي بصراحة .. لكن ممكن ابتدي احاول مع الاجيال الجديدة قريب باذن الله 🙂

         

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: