RSS

تغييروفوبيا – 2. أين الشباب؟

29 ديسمبر

يعلم من درس علم الإدارة، أن هناك نوعان من القوى ترتبطان بالتغيير؛ قوى مؤيدة للتغيير، وقوى ضد التغيير، وهي موجودة في كل زمان ومكان و على كل مستويات التغيير، ولكنها تختلف من موقف لآخر. مثلا، قد تكون المنافسة والرغبة في التفوق قوة مؤيدة للتغيير، بينما العادات والتقاليد قوة ضد التغيير. في ثورتنا كانت فوبيا التغيير قوة معارضة للتغيير، في حين كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجنماعية المتردية قوة دافعة له. ويقول علماء الإدارة، أن التغيير لن يحدث إلا إذا تغلبت القوى المؤيدة له على القوى المضادة له. فإذا طبقنا هذا على مجتمعنا المصري – أو أي مجتمع آخر، فسنجد أن الشباب دوما هم قوة مع التغيير بعكس المسنين الذين يكونون عادة ضد التغيير. هذا أمر طبيعي، فالشباب لديه طاقتة ورؤيتة وأحلامه التي تجعله ساخطا على الواقع راغبا في تغييره بعكس المسنين الذين تتزايد لديهم الرغبة في الاستقرار والتعايش مع الواقع كما هو. كم مرة رأيت فيها شخصا جاوز عمره الخمسين يغير مسكنه أو  سيارته أو وظيفته إلا لأسباب قهرية؟ بينما يسهل أن ترى الشاب يغير سيارته لآنها (مش عاجباه) أو يغير وظيفته لأنها لا تتناسب مع طموحاته – إن كانت لديه القدرة المادية بالطبع! فهذه هي سنة الحياة.

انظر إلى حال مجتمعنا الآن، فستجد أن كبار السن – جزاهم الله عنا خيرا – قد استنفذوا طاقتهم في مواجهة الحياة ومتاعبها سنينا طويلة وجاهدوا كي يوفروا الحياة الكريمة لأبنائهم وذويهم، فلم يعد لديهم ما يكفي لكي يتحملوا مخاطر التغيير ومتاعبه وهذا ما يدفعهم إلى أن يقبلوا بأنصاف الحلول، ويصدقوا كل ما يقوله المجلس العسكري في خطاباته حتى لو كان هذا مخالفا لما يرونه بأعينهم. ظللت شهورا أحاول أن أفهم، ما علاقة المظاهرات في ميدان التحرير بالانفلات الأمني في المناطق الشعبية (ده على أساس إن الداخلية كلها بتأمن الميدان!)، أو بالتأخر المبالغ فيع في إصدار قانون مثل الحد الأدنى والأقصى للأجور أو قانون العزل السياسي أو عزل حكومة شفيق، وما علاقة المظاهرات بتأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ما كان مقررا لها الانتهاء قبل نهاية هذا العام؟! وفي كل مرة كان هناك من كبار السن من يحاول إقناعي أن خروج الناس في يوم الجمعة (الأجازة) للمطالبة بمطالب مشروعة هو تعطيل لمصالح البلد وتدمير للاقتصاد والبورصة والسياحة …إلخ، وأنني لا أزال صغيرا و(مش فاهم!). وكنت أسأل هؤلاء أيضا كيف يكون نزول الناس إلى الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو نزولهم لانتخاب نواب البرلمان اعترافا من الشعب بشرعية المجلس العسكري كما نسمع منهم في كل خطاب، فلا أجد جوابا.

لا يحتاج المرء أن يكون مؤيدا للاعتصامات حتى يتعاطف مع المعتصمين حين يرى ما تفعله الشرطة العسكرية، ومن قبلها قوات الأمن المركزي معهم من تعامل وحشي لا مبرر له. كما لا يحتاج إلى أن يكون محللا سياسيا حتى يتأكد من فشل المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية. بكل المقاييس والمعايير قد فشل فشلا ذريعا. وكلمة الفشل هذه تعكس حسن النية! لأنه لو أساء المرء بهم الظن لاتهمهم بالتواطؤ لإفشال الثورة والقضاء عليها، وهي تهمة ليست ببعيدة. أعجبني رسم تخطيطي شاهدته على الإنترنت يعبر عن حال المجلس العسكري، أنه لو كان هو المتواطئ أو كان لا يعرف من هو المتواطئ، أو كان يعرفهم ولا يقدر عليهم، أو كان يعرفهم ويقدر عليهم لكنه يتركهم لأنه موافق على أفعالهم فالنتيجة واحدة في النهاية. وحين تقول هذا لأحد مؤيدي المجلس العسكري يقول لك أن السبب هو أن المجلس غير مؤهل للعمل السياسي وأنه يجيد العسكرية فحسب، وأنه ما قام بهذا الدور إلا لأننا فرضناه عليه، وأن الفكر العسكري … إلخ. عظيم! سأتناسى مؤقتا أن الذي وكله بهذا الدور ليس الشعب ولكنه الرئيس المخلوع وأقول لك أننا قد وصلنا إلى نقطة اتفاق وهي أن المجلس لا يصلح لأداء هذا الدور! ولذلك يجب التعجيل برحيله من العمل السياسي الذي يقوم به إما بتعجيل انتخابات الرئاسة أو بتسليم سلطاته إلى مجلس الشعب الجديد.

نخلص من كل هذا إلى أن شباب الوطن هم قوة مع التغيير، وأن كبار السن – بطبيعة الحال – هم ضد التغيير، ولذلك فإن التغيير الحقيقي لن يحدث ما لم يتسلم شباب هذا الوطن مقاليد الأمور فيه ويفسح لهم كبار السن المجال، ويقتصر دورهم على المشورة وإبداء الخبرة والرأي ومنع حدوث أي شطط كي يحدث التوازن المطلوب. وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يحدث في كل دول العالم المتحضر. انظر إلى الحكومات المتعاقبة التي تتابعت علينا منذ رحيل الرئيس السابق، هل وجدت فيهم من هو دون الخمسين؟! ليس هذا فحسب، ولكن انظر إلى رؤساء الشركات والمصالح الحكومية ونائبيهم وأصحاب المناصب القيادية. هؤلاء الذين تشبعت عقولهم وقلوبهم عقودا طويلة بالفساد والبيروقراطية والروتين والتهرب من المسئولية وانتظار التعليمات وعدم (تشغيل المخ) وعدم احترام كرامة المواطنين وتعطيل مصالحهم، فكيف ننتظر تغييرا حقيقيا قبل أن يحل محلهم جيل جديد بفكر جديد وطاقة للتغيير؟ لم يكن اعتراضي على الدكتور كمال الجنزوري رئيسا للوزراء لأنه من النظام السابق أو لأنه كان فاسدا. بل كان سببه أننا نحتاج إلى فكر جديد أكثر شبابا ومواكبة للواقع. مصر هي البلد الوحيد في العالم، الذي تحتاج فيه للخبرة كي تحصل على الوظيفة، في حين تحتاج للوظيفة كي تحصل على الخبرة!

 

وللحديث بقية

أحمد سعد

29 ديسمبر 2011

 
3 تعليقات

Posted by في 29 ديسمبر 2011 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

3 responses to “تغييروفوبيا – 2. أين الشباب؟

  1. mohamedibr752

    30 ديسمبر 2011 at 4:47 ص

    الكلام عن الجيل الكبير بصفة عامة بيثير شعور سيء في نفسي .. افتكرت من كلامك موقف المهندسين كبار السن في اليابان لما حصل التسونامي الاخير وطلبوا انهم هما اللي يشتغلوا في التصليح والصيانة لان كان في احتمالية تعرض للاشعاع .. في المقابل .. الشباب هنا بيتسبوا ويتلعنوا كل يوم من الجيل ده ! حاجة تقطع القلب بصراحة .. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

     
    • Ahmed Saad

      30 ديسمبر 2011 at 9:14 ص

      فاكر مقال “شباب عاوز الحرق” للدكتور أحمد خالد توفيق؟

       
      • mohamedibr752

        1 يناير 2012 at 8:21 ص

        قريته تاني وافتكرته 🙂 .. جميل جدا ومناسب للوقت الحالي كمان

         

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: