RSS

Monthly Archives: ديسمبر 2011

تغييروفوبيا – 2. أين الشباب؟


يعلم من درس علم الإدارة، أن هناك نوعان من القوى ترتبطان بالتغيير؛ قوى مؤيدة للتغيير، وقوى ضد التغيير، وهي موجودة في كل زمان ومكان و على كل مستويات التغيير، ولكنها تختلف من موقف لآخر. مثلا، قد تكون المنافسة والرغبة في التفوق قوة مؤيدة للتغيير، بينما العادات والتقاليد قوة ضد التغيير. في ثورتنا كانت فوبيا التغيير قوة معارضة للتغيير، في حين كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجنماعية المتردية قوة دافعة له. ويقول علماء الإدارة، أن التغيير لن يحدث إلا إذا تغلبت القوى المؤيدة له على القوى المضادة له. فإذا طبقنا هذا على مجتمعنا المصري – أو أي مجتمع آخر، فسنجد أن الشباب دوما هم قوة مع التغيير بعكس المسنين الذين يكونون عادة ضد التغيير. هذا أمر طبيعي، فالشباب لديه طاقتة ورؤيتة وأحلامه التي تجعله ساخطا على الواقع راغبا في تغييره بعكس المسنين الذين تتزايد لديهم الرغبة في الاستقرار والتعايش مع الواقع كما هو. كم مرة رأيت فيها شخصا جاوز عمره الخمسين يغير مسكنه أو  سيارته أو وظيفته إلا لأسباب قهرية؟ بينما يسهل أن ترى الشاب يغير سيارته لآنها (مش عاجباه) أو يغير وظيفته لأنها لا تتناسب مع طموحاته – إن كانت لديه القدرة المادية بالطبع! فهذه هي سنة الحياة.

انظر إلى حال مجتمعنا الآن، فستجد أن كبار السن – جزاهم الله عنا خيرا – قد استنفذوا طاقتهم في مواجهة الحياة ومتاعبها سنينا طويلة وجاهدوا كي يوفروا الحياة الكريمة لأبنائهم وذويهم، فلم يعد لديهم ما يكفي لكي يتحملوا مخاطر التغيير ومتاعبه وهذا ما يدفعهم إلى أن يقبلوا بأنصاف الحلول، ويصدقوا كل ما يقوله المجلس العسكري في خطاباته حتى لو كان هذا مخالفا لما يرونه بأعينهم. ظللت شهورا أحاول أن أفهم، ما علاقة المظاهرات في ميدان التحرير بالانفلات الأمني في المناطق الشعبية (ده على أساس إن الداخلية كلها بتأمن الميدان!)، أو بالتأخر المبالغ فيع في إصدار قانون مثل الحد الأدنى والأقصى للأجور أو قانون العزل السياسي أو عزل حكومة شفيق، وما علاقة المظاهرات بتأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ما كان مقررا لها الانتهاء قبل نهاية هذا العام؟! وفي كل مرة كان هناك من كبار السن من يحاول إقناعي أن خروج الناس في يوم الجمعة (الأجازة) للمطالبة بمطالب مشروعة هو تعطيل لمصالح البلد وتدمير للاقتصاد والبورصة والسياحة …إلخ، وأنني لا أزال صغيرا و(مش فاهم!). وكنت أسأل هؤلاء أيضا كيف يكون نزول الناس إلى الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو نزولهم لانتخاب نواب البرلمان اعترافا من الشعب بشرعية المجلس العسكري كما نسمع منهم في كل خطاب، فلا أجد جوابا.

لا يحتاج المرء أن يكون مؤيدا للاعتصامات حتى يتعاطف مع المعتصمين حين يرى ما تفعله الشرطة العسكرية، ومن قبلها قوات الأمن المركزي معهم من تعامل وحشي لا مبرر له. كما لا يحتاج إلى أن يكون محللا سياسيا حتى يتأكد من فشل المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية. بكل المقاييس والمعايير قد فشل فشلا ذريعا. وكلمة الفشل هذه تعكس حسن النية! لأنه لو أساء المرء بهم الظن لاتهمهم بالتواطؤ لإفشال الثورة والقضاء عليها، وهي تهمة ليست ببعيدة. أعجبني رسم تخطيطي شاهدته على الإنترنت يعبر عن حال المجلس العسكري، أنه لو كان هو المتواطئ أو كان لا يعرف من هو المتواطئ، أو كان يعرفهم ولا يقدر عليهم، أو كان يعرفهم ويقدر عليهم لكنه يتركهم لأنه موافق على أفعالهم فالنتيجة واحدة في النهاية. وحين تقول هذا لأحد مؤيدي المجلس العسكري يقول لك أن السبب هو أن المجلس غير مؤهل للعمل السياسي وأنه يجيد العسكرية فحسب، وأنه ما قام بهذا الدور إلا لأننا فرضناه عليه، وأن الفكر العسكري … إلخ. عظيم! سأتناسى مؤقتا أن الذي وكله بهذا الدور ليس الشعب ولكنه الرئيس المخلوع وأقول لك أننا قد وصلنا إلى نقطة اتفاق وهي أن المجلس لا يصلح لأداء هذا الدور! ولذلك يجب التعجيل برحيله من العمل السياسي الذي يقوم به إما بتعجيل انتخابات الرئاسة أو بتسليم سلطاته إلى مجلس الشعب الجديد.

نخلص من كل هذا إلى أن شباب الوطن هم قوة مع التغيير، وأن كبار السن – بطبيعة الحال – هم ضد التغيير، ولذلك فإن التغيير الحقيقي لن يحدث ما لم يتسلم شباب هذا الوطن مقاليد الأمور فيه ويفسح لهم كبار السن المجال، ويقتصر دورهم على المشورة وإبداء الخبرة والرأي ومنع حدوث أي شطط كي يحدث التوازن المطلوب. وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يحدث في كل دول العالم المتحضر. انظر إلى الحكومات المتعاقبة التي تتابعت علينا منذ رحيل الرئيس السابق، هل وجدت فيهم من هو دون الخمسين؟! ليس هذا فحسب، ولكن انظر إلى رؤساء الشركات والمصالح الحكومية ونائبيهم وأصحاب المناصب القيادية. هؤلاء الذين تشبعت عقولهم وقلوبهم عقودا طويلة بالفساد والبيروقراطية والروتين والتهرب من المسئولية وانتظار التعليمات وعدم (تشغيل المخ) وعدم احترام كرامة المواطنين وتعطيل مصالحهم، فكيف ننتظر تغييرا حقيقيا قبل أن يحل محلهم جيل جديد بفكر جديد وطاقة للتغيير؟ لم يكن اعتراضي على الدكتور كمال الجنزوري رئيسا للوزراء لأنه من النظام السابق أو لأنه كان فاسدا. بل كان سببه أننا نحتاج إلى فكر جديد أكثر شبابا ومواكبة للواقع. مصر هي البلد الوحيد في العالم، الذي تحتاج فيه للخبرة كي تحصل على الوظيفة، في حين تحتاج للوظيفة كي تحصل على الخبرة!

 

وللحديث بقية

أحمد سعد

29 ديسمبر 2011

 
3 تعليقات

Posted by في 29 ديسمبر 2011 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

تغييروفوبيا – 1. مقدمة لا بد منها


أستهل هذا المقال بأن أدعو كل المراجع الطبية والسياسية، والمجلات العلمية، وموسوعات الأرقام القياسية، ومكاتب براءات الاختراع المحلية والدولية، أن تسجل باسمي هذا الاكتشاف الجديد .. ألا وهو مرض “التغييروفوبيا” أو “فوبيا التغيير”! من الواضح طبعا أن هذا المقال يتحدث عن الفوبيا .. ويتحدث عن التغيير كذلك! وسبب كتابتي لهذا المقال هو أنني أرى أن الأحداث تكرر نفسها بشكل ممل منذ اندلاع الثورة .. وهي تشير إلى مدى انتشار فوبيا التغيير في مجتمعنا. وقد قررت – أخيرا – أن أستعمل حقي الذي يكفله لي الدستور والقانون ووثيقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أن أكون محللا سياسيا! وأعلم أن حديثي في السياسة سيعرضني لسيل من الانتقادات – التي أرجو ألا تصل إلى حد الشتائم – ولكن كل شيء يهون في سبيل هذا الحق! ولتكن بدايتنا بتحليل هذا العنوان.

الفوبيا أو الرهاب – لمن لا يعرف – هو الخوف المفرط والدائم من شيء ما أو موقف معين يدفع المصاب به إلى تجنب هذا الشيء أو الموقف بأي ثمن، فهناك فوبيا الأماكن المغلقة[1] وهناك فوبيا المرتفعات[2] وغيرها. أنواع الفوبيا لا حصر لها .. ولكنك تستطيع أن تلاحظ الرابط بينها جميعا وهو الدافع لكل أنواع الخوف تقريبا .. ألا وهو الخوف من المجهول. الإنسان يهاب الظلام لأنه يجهل ما فيه .. يرهب الغد لآنه لا يستطيع أن يتنبأ بما سيحمله له .. يتخوف من الإسلاميين أو الليبراليين مثلا لأنه لم يعرفهم عن قرب. وهذا هو الفارق بين الخوف والخشية .. فالإنسان يخاف ما يجهل، ويخشى ما يعرف، ولذلك قال الله – عز وجل – “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء” [فاطر:28]. أما عن التغيير فهو سنة الحياة وطبيعة الأشياء، فلا شيء يبقى على حاله إلا الموتى والجمادات. والحضارة التي تفشل في التغير أو مواكبة التغيير هي حضارة فنت واندثرت. التغيير لا يحتاج إلى تعريف وله عوامله وأنواعه المختلفة التي سنرجيء الحديث عنها إلى المقالات القادمة بإذن الله.

ظللنا نستمع سنوات طويلة إلى أحاديث الناس عن الفساد الذي استشرى وانتشر، والتدهور الرهيب في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلما اندلعت الثورة رأيت الكثيرين من هؤلاء معارضين للثورة واصفين شبابها بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، حتى استقالت الحكومة فحمدوا الله على ذلك، ثم عارض هؤلاء المطالبات برحيل الرئيس السابق وفضلوا الانتظار لحين انتهاء فترته الرئاسية، ووصفوا الثوار مجددا بأنهم لا يمثلون الشعب وبأنهم هم الأغلبية الصامتة، فلما رحل أثنوا على الثورة والثوار. وكذا الحال مع حكومة شفيق التي كان استمرار بقائها صفعة على جبين الثورة فقد تسترت على الفساد والفاسدين ومنحتهم الفرصة كي يحزموا أمتعتهم ويتخلصوا مما يدينهم فلما أقيلت تنفسوا الصعداء. وفي كل مرة كنت أسمع نفس الكلمات والحجج الواهية؛ “يعني هو لما يمشي مين هييجي مكانه؟ قوللي كده مين دلوقتي موجود ينفع يحل محله؟ فلان؟ ده فيه عيوب كذا وكذا. علان؟ ده عمل وسوّى. ها .. مين تاني؟” وكأن مصر لم تنجب سوى فخامة البيه فلان وسيادة الباشا علان وباقي الشعب – اعذروني في اللفظ – هم عاهات!

كل ما سبق هو صور لفوبيا التغيير. ولقد استغل النظام السابق هذا لصالحه، وأوحى للشعب أنه هو حامي الحمى وحافظ الأمن والأمان، وأنه لو رحل لتحولت مصر إلى إحدى مجاهل أفريقيا أو أحراش كينيا! وأصدقكم القول أنه لولا الله – عز وجل – لقُضِي على الثورة يوم الثلاثاء الأول من فبراير، حين أصدر الرئيس السابق خطابه الثاني الذي استعطف فيه الشعب. فلقد دخل الخطاب إلى قلوب الكثير من الناس، ودفعهم إلى أن يكذبوا عيونهم وآذانهم وذاكراتهم التي امتلئت بصور فساد النظام السابق وأكاذيبه، وأن يصدقوا الخطاب، وأن الرئيس المخلوع يستحق فرصة أخرى، حتى خلى الميدان إلا من بضعة آلاف. ولكن عناية الله – سبحانه وتعالى – رزقت الرئيس السابق ومعاونيه بكمية من الغباء لا توصف! فألهمهم بالقيام بموقعة الجمل التي أزالت كل شك أو تردد من قلوب الشعب ودفعته دفعا إلى الاستمرار في ثورته حتى كتب الله لها النجاح.

وختاما لهذه المقدمة، أحب أن أوضح أن العلم قد توصل إلى بالفعل إلى ما يسمى بفويبا التغيير[3] ولكنها مرض نفسي له أعراض كضيق التنفس والغثيان واضطراب ضربات القلب، وهو يختلف تمام الاختلاف عن موضوع المقال، وهو ثقافة الخوف من التغيير.

 

وللحديث بقية

أحمد سعد

26 ديسمبر 2011


[1] Claustrophobia

[2] Acrophobia

[3] Metathesiophobia

 
6 تعليقات

Posted by في 26 ديسمبر 2011 in كلام في السياسة

 

الأوسمة: , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: